الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٦مَحَاسِنَ لُبْنانَ" (1). وهذا تَصْرِيحٌ بِهِ صلى الله عليه وسلم أَمَاتَنَا اللهُ عَلَى مِلَّتِهِ.
وفي صُحُفِ دانيال: "لا تَقُومُ دَعْوَةُ باطل أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ." (2). وهَذِهِ دَعْوَةُ نَبِيئِنَا قَامَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِئَةِ سَنةٍ.
وفي عَصْرِي هَذَا دَخلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ القرارة بلاد الأندلس فَبَيْنَما هُوَ مِعَ رَجُلٍ فِي دَارِهِ إِذْ دَخَلَ الرَّجُلُ وهُوَ بِصُورَةِ نَصْرَانِي مَطْمُورَةٌ وتَطَهَّرَ وَلَبِسَ لِبَاسًا آخَرَ وصَلَّى صَلَاةٌ مِن الخَمْسِ، فَقَالَ لَهُ القَرَارِيُّ: [81] ما هَذَا؟ قالَ: إِنِّي مُسلِمٌ ومَعِي أَهْلِي نَسْتُرُ إِسْلَامَنَا خَوْفًا مِنَ النَّصَارَى.
وأَهْلُ الكِتابِ يَعْلَمُون صِدْقَ رَسُولِ اللهِ الا الله و مخصوصا القسيسين والرهبانَ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُخْفُونَ إيمانَهُمْ إِبْقاءً عَلَى أَنْفُسِهِمْ وأَمْوَالِهِمْ وقَرَابَتِهِمْ، والواجِبُ عَلَى مَنْ آمَنَ مِنْهُم أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى أَرْضِ الإِسْلَامِ ليَتَعَلَّمَ الشَّرِيعَةَ. وقَالَ إِشَعْيَاء النَّبِيءُ مخاطبًا لِمَكَّةَ: "أَبْشِرِي واهْتَرِي أَيَّتُها العاقِرُ التِي لَمْ تَلِدْ وانْطِقِي بالتسبيح وافْرَحِي إِذْ لَمْ تَحْبلي، فإِنَّ أَهْلَكِ سيكونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي" (3). شبَّهَ مَكَّةَ بِالعَاقِرِ؛ لِأَنَّهُ لا نَبِيءَ مِنْهَا إِلَّا إِسماعيل، فجَاءَ نَبِيتُنا ل كوَلَدٍ بَعْدَ عُقْمٍ، وَأَهْلُ إِشَعْيَاء بَيْتُ المَقْدِسِ وأَكْثَرُ الأَنْبِتَاءِ بِالشَّامِ، فَلَا تُشْبِهُ العَاقِرَ.
ووُجِدَتْ نُسخَةٌ قَديمَةٌ يُذكَرُ فِيهَا أَنَّهَا الزَّبُورُ وأَنَّهَا مِنْ رِوايةِ وهب بن منبه، وهُوَ مِنَ التابعين، عارف بخُطوطِ الأَقْدَمِينَ وخطوطِهِمْ (4) صلَّى الفَجْرَ بوضُوءِ العِشَاءِ أَرْبَعِينَ عامًا، وهِيَ نُسخه قصدر (5) أبو عُبيد الكاذِبُ، فذُكِرَ فيها أنَّ الله قال: "مَلْعونٌ مَلْعُونٌ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ وَعَلَى أَحَدٍ مِنْ رُسُلِي " (6). وقال في المزمورِ السِّتِّينَ: " لَيْسَ الخُدلانُ حُدْلانُ الفَوَاحِشِ؛ لِأَنَّ لَهَا الاسْتِغْفَارَ يُطْفِئُها، كَمَا يُطفئ الماءُ النَّارَ الحارَّةَ، إِنَّمَا الحُدلانُ حُدلانُ رَجُلٍ أَحْدَثَ حَدَنَّا ليُغَيِّرَ بِهِ شَرِيعَةً مِنْ شَرَائِعِي، وَلِيَسْتَنَّ
سُنَّةً لَيْسَتْ مِنْ سُنَنِي.
وفي المَزْمُورِ السَّادِسِ والأَرْبَعِينَ مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ الله: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ رُسُلِي استَوْجَبَ النّقمةَ في الدُّنيا والآخِرَةِ".
وفي المَزْمُورِ السَّابع والتسعِينَ: "يا دَاوُد اسْتَعِذْ بِي مِنْ شَرِّ زَمَانٍ يَكثُرُ فِيهِ الكَذِبُ عَلَى العِلْمِ، فكُلُّ مَنْ هَوَى حَدِيثًا ابْتَدَعَ لَهُ حُجَّةً، فإذَا وَرَدَ القِيامَةَ رُدَّت أَعْمَالَهُمْ كُلُّهَا، يَا دَاوُدَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ أَوْ
(1) مقامع الصلبان الخزرجي، ص 136، وفيه: محاسن اللسان.
(2) (م، س)، ص 137، وفيه: لا تقوم لداع كاذب دعوة أكثر من ثلاثين سنة.
(3) هداية الحيارى، ابن القيم، ص 171.
(4) في العبارة تكرار.
(5) لم أفهم العبارة.
(6) لم أقف عليه.
225