الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٨44
حدِيثًا لِأَهْلِ الدُّنيا". ومِصْدَاقُهُ في القرآنِ قوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الَا قَاوِيل (1) الآيَةَ. وفي المزمُورِ الثَّامِنِ عَشَر: الأَيْمَانُ الكاذِبَةُ تُسَوّدُ القَلْبَ وتُظْلِمُهُ مِنَ الهُدَى، والكَذِبُ خَتْمٌ على
الفُؤَادِ ".
وقالَ فِي مَوْضِعِ آخَرَ: "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ احْكُمُوا بما أنزَلْتُ ولا تَتَعَدَّوْهُ فَإِنَّ قَوْمًا تَعَمَّدُوا كُتُبِي وأَحْكَامِي وتَأَوَّلُوا تَأْوِيلَاتٍ مِنْ رَأيهِم فَضَلُّوا وأَضَلُّوا كَثِيرًا"؛ أَيْ: قَصَدُوا كُتُبِي وَأَوَّلُوا.
وفِي المَزْمُورِ السَّابع والثلاثين مِنْ نُسْخَةِ وهب المذْكُورَةِ أَنَّ آدَمَ نَظَرَ فَإِذَا بِذِكْرِ حَبِيبي مكْتُوبٌ على سَاقِ عَرْشِي، وَكَانَ آدمُ مُلْهَمَّا خَلَقْتُهُ بكُلِ الإِلْهَامِ بالكتُبِ والحِسَابِ وَجَمِيعِ أَعْمَالِ أَهْلِ الْأَرْضِ، ولمَّا قَرَأَ ذِكْرَهُ ظَنَّ أَنِّي أَشْرَكْتُ معهُ آخَرَ في الجَنَّة، فهُوَ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الدَّغَلِ والمَكْرِ، أَتُسْلِمُونَ يَا بَنِيهِ وهُوَ أَطْهَرُ مِنْكُمْ؟ فقال بَاكِيًا: إِلَاهِي ما هَذَا؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ ذُرِّيتِكَ أُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَعَلَى جَمِيعِ [82] الأَدْيَانِ، بِهِ يَتِمُّ عُمْرَانُ الدُّنيا وعُمْرَان الآخِرَة، وبِهِ خَلَقْتُ الجَنَّةَ وَبِهِ ابْتَدَعْتُ السَّمَاوَاتِ، ثُمَّ قُلتُ: أَينَ الحَامِدُونَ؟ فَجَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلَائِكَةٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ وهُوَ مُسْتَبْشِرُ إِلَى الجَنَّةِ.
وقال في المزْمُورِ السَّابع والمِئَة: "مُحَمَّدٌ الممْدُوحُ الرَّفيعُ الدَّرجَةِ العَزِيزُ البُرْهانِ العَظِيمُ الحُجَّةِ المحْمُودُ المُهَيْمِنُ المُصْطَفَى الصَّادِقُ العَزِيزُ الطَّاهِرُ الذِي خُلِقَ مِنْ شَجَرَةِ طُهْرٍ، الشَّدِيدُ البَأْسِ فِيمَا يُسْخِطني، الذي يشمجني (2) وهو مسْتَقِرٌّ في الأرحام، والصَّحيحُ العَزْمِ الواثق اليقين، الشَّديدُ الحِرْصِ على ديني الذي لم. تَغْلِبُهُ زَهْرَةُ الدُّنيا وبَهجَتُهَا، فَفِيهِ نورُ القَمَرِ والشَّمس، وأنتم يا معشرَ الأَنبِنَاءِ كالنُّجومِ عنده، إذا وَقَرَت السَّحَابُ أَكثَرَ مِنْ طَاقَتِهَا مَطَرًا سَأَلَتْنِي بحقِّهِ فَخَفَفْتُ حَمْلَهَا، لَولَاهُ ما أَهْبَطْتُ آدمَ مِنَ الأرضِ ولا عَمَّرْتُ الدُّنيا، تَدْرِي مَنْ هُو يا دَاوُدُ؟ هُوَ فَرْعٌ مِنْ فرع إبراهيمَ بِهِ أَهَلَّ آدَمُ، مَنْ كَفَرَ بِهِ فعَلَيْهِ لَعْنَتِي، وسَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَدَّعونَ الرَّهبانيَّة يمْحُونَ اسمهُ مِنْ كُتُبي، أتَدْرِي يَا دَاوُدُ أَيْنَ هؤلاء الكفَّارُ؟ هَذَا مِنْ عُقُولِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ واقَعَ أُمَّهَاتِهِمْ معَ آبَائِهِمْ فأُشْرِكَتْ نطفَتُهُ مع نُطْفَةِ آبَائِهِمْ فَضَلُّوا وَكَفَرُوا وأَضَلُّوا كثيرًا، وضَلُّوا عَنْ سواءِ السَّبِيلِ، مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بالعُرْوَةِ بالإيمان بهِ، ومَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ فَقَدْ كَفَرَ بِي وبِكُتُبِي، وَمَنْ آمَنَ بالتَّوْرَاةِ والإنجيل والزبورِ وَلم يُفرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ كتبِي أَجْزَيْتُهُ أَجرَهُ مَوَفَّرَا وأنا العَزِيزُ الحَكِيمُ".
وقالَ في مَوْضِعِ آخَرَ: يَا دَاوُدُ لَمْ أَجْعَلْ كتابَ أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِنَاءِ نَظْمًا، كَمَا نَظَمْتُ كِتَابَ صَاحِبِ التَّوْحِيدِ، الذي في آخِرِ الزَّمانِ، فِيهِ البَيَانُ والشَّفَاءُ، وقَدْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْبِنَاءِ مِنْ بَعْضِهِ، وجَعَلْتُهُ
(1) سورة الحاقة: 44.
(2) لعله: يسبحني.
227