الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٢في بعضها وهو أَحَدُ ثَلاثة، أبي قبيس (1) والمُقَابِلِ لهُ وهو قعيقعان (2) إِلى بَطْنِ الوادِي، وَجَبَلٍ شَرْقِيِّ هُوَ شِعْبُ بَنِي هاشم، وفِيهِ مَوْلِدُهُ 3).
في قَوْلِهِ: ومَجِيءُ الله: مَجِيءُ وَحْيِهِ وسَاعِيرُ: مِنْ أَرْضِ الخليل، ومِنْهَا قَرْيَةٌ تُسمَّى ناصِرة. ولا يُنكرُ أهْلُ الكِتَابِ أَنَّ فَارَانَ مَكَّةُ، فَفِي التَّوراة: "إِنَّ اللهَ أَسْكَنَ هاجر وإسماعيلَ فَارَانَ. واسْتَعْلَنَ: ظَهَرَ، ولا نَبِيءَ ظَهَر ظُهُورَهُ). وقال الله تعالى لموسى ال: "والله رَبُّكَ يُقِيمُ نَبِينًا مِنْ إخوتِكَ، فَاسْتَمِعْ لَهُ كَالذِي سَأَلْتَ (5) رَبَّكَ في حُوربت (6) يومَ الاجْتِمَاع، حِينْ قُلتَ لا أعُودُ أَسْمَع كَلَامَ ربّي لئَلَّا أَمُوتَ، فَقَالَ اللهُ: نعم مَا قَالُوا، وسَأَقِيمُ لَهُمْ نَبِينًا مِثْلَكَ مِنْ إخْوَتِهِمْ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ آمُرُ بِهِ، وأَيُّما رَجُلٍ لَمْ يُطِع مَنْ تَكَلَّمَ بِاسْمِي فَإِنِّي أَنْتَقِمُ منه (7).
منه" (7).
قال بَعْضُ اليَهُودِ: هذا النَّبِيءُ يوشع، قُلْنَا: يُوشَعُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ إِخْوَتِهِمْ، وَإِنَّهُ لَيسَ مِنْ فَارَانَ، وإِنَّهُ خَادمٌ لموسَى في حَياتِهِ ومُؤَكِّدٌ لدَعْوَتِهِ بَعدَهُ، بَلْ أُوحِيَ إِلَيْهِ آخَرَ عُمُرِ مُوسَى عَليهِمَا
السَّلام. وإنَّ الذي جَعَلَ اللهُ كَلَامَهُ فِي فَمِهِ هُوَ نَبِيتُنَا الله لأَنَّهُ لَا يَقْرَأُ كِتَابَةً فَلَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِ صُحُفًا. قال يُوحَنَّا في إِنْجِيلِهِ عَن المسيح: "أَنَا أَطْلُبُ لَكُمْ مِنَ الأبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ فَارْقَلِيط آخَرَ يَثْبُتُ معكم إلى الأَبَدِ، رُوحَ الحَقِّ الذِي لَنْ يُطِيقَ العَالَمُ أَنْ يَقْتُلُوهُ (8) " (9). وفي لفظ آخَرَ: إِنْ أَجَبْتُمُونِي (10) فاحْفَظُوا وَصِيَّتي وأَنَا أَطْلبُ إلى أَبِي فيُعطيكم فارقليط آخر يكون معكم الدهرَ كُلَّهُ" (11) ومَا هَذَا إِلَّا صِفَة سيّدِنا محمَّدٍ. وفسَّرَ بعضُ النَّصَارَى فَارْقَلِيطَ بِالحَامِدِ، وبعض بالمُخلّص بشدّ اللَّامِ و [84] لا شَكٍّ أَنَّ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الله مِنْ تَخْلِيص الخَلْقِ مِنَ الكُفْرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، ولَفْظُ الحَامِدِ أَقْرَبُ إِلى مُحَمَّدٍ وأَحَمْد،
وَلا شَكٍّ أَنَّ الفَارْقَلِيط الآخَرَ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّد لا الهلال والمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ زَمَانًا هُوَ سَيِّدُنَا عِيسَى العليا.
(1) أبو قبيس: الْأَحْشَبَانِ: الجَبَلَانِ الْمُطِيفَانِ بِمَكَّةَ، وهُمَا أَبُو قُبَيْس والأحْمَرُ، وَهُوَ جَبَلٌ مُشْرِفٌ وَجْهُهُ عَلَى فُعَيْقِعَان. النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، 32/ 2. (2) قعيقعان: قيل: سمّي بِهِ، لأنَّ جُرْهُما لَمَّا تَحارِبُوا كثرت قَعْقَعَةُ السلاح هناك. النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، 88/ 4.
(3) نهاية الأرب، النويري، 76/ 16.
(4) نهاية الأرب، النويري، 76/ 16.
(5) في المواهب اللدنية ونهاية الأرب: سمعت.
(6) في المواهب اللدنية: حوريت. (7) نهاية الأرب، النويري، 77/ 16.
(8) في هداية الحياري: أن يقبلوه. (9) هداية الحياري، ابن القيم، ص 129. (10) في المواهب اللدنية: أحببتموني. (11) المواهب اللدنية، القسطلاني، 181/ 3.
231