الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٣وفي الإنجيل: "إِنَّ هَذَا الكَلامَ الذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ هُوَ لِي، بَل الأَبُ الذِي أَرْسَلَنِي بِهَذَا الكَلَام لَكُمْ. وأَمَّا الفَارْقَلِيط رُوحُ القُدُسِ الذِي يُرْسِلُهُ أَبي باسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا
قُلْتُه لَكُمْ " (1).
ومعنَى يُرْسلهُ بِاسمِي: يُرْسِلُهُ بِأَنَّ عِيسَى رَسُولُ الله صَادِقٌ والأَبُ: عِنْدَهُمْ اسمٌ لِمَنْ يُعظَّمُ. وَقَدْ مرَّ عَنْ عِيسَى أَنَّ ذلك الرَّسُولَ يُمجِدُنِي، ولا نعْلمُ أَحَدًا مَجَّدَ عِيسَى كَتَمْجِيدِ سَيِّدِنَا محمَّدٍ لَهُ بالرسالة وتبرئته، وتَبْرِيَّةِ أُمِّهِ ممَّا نُسِبَ إِلَيْهِمَا.
قال أبو محمد الشقراطسي (2) مِنْ قصيدة له:
تَوْرَاةُ مُوسَى أَتَتْ عَنْهُ فَصَدَّقَهَا إِنْجِيلُ عِيسَى بِحَقِّ غَيْرِ مُفْتَعَلِ أَخْبَارُ أَحْبَارٍ أَهْلَ الْكُتُبِ قَدْ وَرَدَتْ عَمَّا رَأَوْا أَوْ رَوَوْا فِي الْأَعْصُرِ الأُولِ (3) وقال ابن جابر (4):
لِمَبْعَثِهِ فِي كُلِّ جِيلٍ عَلَامَةٌ عَلَى مَا حَكَتْهُ الْكُتُبُ مِنْ أَمْرِهِ الْجَلِي فَجَاءَ بِهِ إِنْجِيلُ عِيسَى بِآخِر كَمَا قَدْ مَضَتْ تَوْرَاةُ مُوسَى بِأَوَّلِ (5) وفي زبُورِ دَاودَ اللة في مزمُورِ أَرْبَعةٍ وأربعينَ: "فاضَتِ النِّعْمَةُ مِنْ شفَتَيْكَ مِنْ أَجْل هذا بَارَكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ، تَقَلَّد أيُّها الجبَّارُ السَّيْفَ (6) إلخ مَا مَرَّ. قَالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهِ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ القَديمةِ قال الله تعالى: "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُنْزِلَنَّ عَلَى جِبَالِ العَرَبِ نُورًا يملأُ ما بَيْنَ المشرق والمغربِ ولَأُخْرِجَنَّ مِنْ وَلَدِ إسماعيلَ نَبِيئًا عَرَبِيًّا أُمِّيَّا يُؤْمِنُ بِهِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ ونَبَاتِ الأَرْضِ، كُلُّهُمْ يُومِنُ بِي رَبَّا وَبِهِ رَسُولًا ويَكْفُرُونَ بِمُلْكِ آبَائِهِمْ وَيَفِرُّونَ مِنهَا. قال موسى: سُبْحَانَكَ وتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ لَقَدْ كَرَّمْتَ هَذَا النَّبيء وشَرَّفْتَهُ، قَالَ الله: يَا مُوسَى إِنِّي أَنْتَقِمُ مِنْ عَدُوّهِ في الدُّنيا والآخرة، وأَظْهِرُ دَعوَتَهُ عَلَى كلّ دَعْوَةٍ، وأُذِلُّ مَنْ خَالَفَ شَرِيعَتَهُ، بِالعَدْلِ زَيَّنَتُهُ ولِلْقِسْطِ أَخْرَجْتُهُ، وعِزَّتِى لأَسْتَنْقِدَنَّ بِهِ أُمَمَّا مِنَ النَّارِ، فَتَحْتُ الدُّنيا بإبراهِيمَ وخَتَمْتُهَا بِمُحَمَّدٍ، فَمَنْ
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 182/ 3.
(2) يحي بن علي بن زكريا: الشقراطسِي (شقراطس حصن بقرب قفصة بالجنوب التونسي) ولد بقسطيلية وتعلم بالقيروان وحج واستقر بتوزر ت:415 هـ، من آثاره أرجوزة في مناسك الحجّ، مجموعة الأسئلة الفقهية. تراجم المؤلفين التونسيين 204/ 3، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 105/ 4. (3) البيتان من البسيط، المواهب اللدنية، القسطلاني، 184/ 3 وينظر القصيدة بتمامها مقال: من أروع الشعر أنجم السياسية وقصائد أخرى، عبد الله كنون، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ع 53، 92/ 1، صفر 1399 – يناير 1979 م.
(4) محمد أحمد بن
بن علي الهواري المغربي الأندلسي، قدم دمشق وحلب وسمع بها، قرأ القرآن والنحو على ابن يعيش، والفقه على أبي عبد الله الرندي، ت: 780 هـ. الوافي، الصفدي، 110/ 2، بغية الوعاة، السيوطي، 34/ 1.
(5) البيتان من الطَّويل المواهب اللدنية، القسطلاني، 184/ 3.
(6) المواهب اللدنية، القسطلاني، 185/ 3.
232