الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٦في ذمَّةِ جَوَارٍ؟ قَالُوا: بَلَى، فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ. فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي مِنْ فَصِهِ، ثُمَّ قَلتُ: إِنَّا مَعْشَرَ الإِنسِ إِنَّمَا نَعْتَمِدُ الكُهَانَ لِمَا يَأْخُذُونُهُ عَنْكُمْ مِنَ العِلمِ فَأَخْبِرُونِي بِطِلْبَتِي، فأشار ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الرَّابِعِ، وَقَالُوا: على الخَبِيرِ سَقَطتَ فَخَصَّصْتُهُ بالمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: أَبُو مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَبُو عَمرو، قالَ: نَعَمْ يَا أَبَا عَمْرو ونَعَامَة عَيْن فَدُونَكَ عِلْمًا لَيْسَ بالهَيِّن يا أبا عَامِرَ أقسم بِنَا عش القَفْرِ الغَامِرِ بِالقَطْرِ الهَامِر، لَتَعْمَلَنَّ العَنَاسِرُ الصَّوَامِر، إِلَى أَكْرَمِ آمِر يحشّ العَكْس المغامر، ويفحم عَنِ السَّمَرِ السَّامِرِ، يَا أَبَا عَامِرٍ إِنَّ اللهَ قَدْ أَسْفع هبَاع دعامر، ومُبَاع غَوَامِرٍ، وَكَانَ قَدْ نَدَبَ هَاصِرُ أَكَاسِرٍ وقَيَاصِرٍ وَزَافَى غَوَايَاتٍ أَعَاصِر. قال أَبُو عَامِرٌ: فَقُلْتُ: أَمَلِكُ هَذَا المَنْدُوبُ؟ قَالَ: كلاً بَلْ نَبِيءٌ شِرَافُ كِرَامٌ وَافٍ مَوْطِأَ الأَكْنَافِ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بنِ عَبدِ مَنَافٍ. فَقَالَ أبو عامر: أَرَاكَ تَنْسُبُهُ فَهَلْ تَصِفُهُ لِي؟ فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّهُ لأَزْهَرُ وضَاحٌ لَيْسَ [86 و] بِالطَّوِيلِ المِلْوَاحِ ولا بِالقَصِيرِ الدَّحْدَاح، إِذَا نَظَرَ رِنَا أَوْ لَاحَ، وَإِذَا أُوذِيَ أَعْرَضَ وأَشَاحَ، فِي عَيْنِهِ نَجْلَةٌ وَلَا مُرَّةٌ وشَكْلَة غَيْرُ ممفرَة وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ أَمْرُهُ، وَهُوَ أُمِّي لَا يَزْبُرُ السَّطْرَه، يَأْتِي بِالحَنِيفِيَّةِ المُيَسَّرَه فَيَسْعَدُ مَنْ قَافَ أَثَرَهُ سَمِعَ أَدْنِي مِنَ المُجَنَّحَةِ المُسْفِرَةِ (1). قال أبو عامر: ثُمَّ نهَضَ واسْتَتْبَعَ الثَّلاثَةَ فَتَبِعُوهُ، ولَزِمْتُ مَكَانِي سَائِرَ لَيْلَتِي فَلَمَّا أَصْبَحْتُ عُدْتُ لِطَيَّتِي. وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ سيّدنا محمَّدًا كَفَرَ بِهِ حَسَدًا، وخَذَلَ النَّاسِ عَنْهُ، وبنى مسجد الضّرار، قال الله تعالى وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (2) وهو أَوَّلُ مَنْ أَنْشَبَ الحَرْبَ يَومَ أُحد، ودَعَا النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُمِيتَهُ اللهُ طَرِيدًا وَحِيدًا فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، فَعَاوَدَ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ إِلَى يَوْمِ الْفَتْحِ فَفَرَّ وَلَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ فَتَنَصَّرَ وَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا وَحِيدًا نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ (3). ورُوِيَ أَنَّ مرثد بن عبد كلال كَانَ مَلِكًا عَظِيمًا رَأَى فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا أَخَافَتْهُ فِي حَالِ مَنَامِهِ، وَلَمَّا اسْتَيْقَظَ أُنْسِيَهَا، حَتَّى لَا يَتَذَكَّر مِنْهَا شَيْئًا وَبِقِيَ ارتعَادُهُ فِي قَلْبِهِ، واسْتَقَرَّ خَوفُهُ فِي نَفْسِهِ، فَانْقَلَبَ سُرُورُهُ حُزْنًا فَجَمَعَ الكُهَّانَ وَاسْتَخْبَرَهُمْ فَمَا أَخْبَرَهُ أَحَدٌ بِرُؤْيَاهُ وَلَا بِتَأْوِيلِهَا، إِلَى أَنْ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى الصَّيْدِ، فَأَوْغلَ في طَلَبِهِ وانفردَ عَنْ أَصْحَابهِ، فَرُفِعَتْ لَهُ أَبْيَاتٌ فِي دَارِ أجبل، وَقَدْ لَفَحَهُ الهَجِيرُ، فَعَدَلَ إِلَى الأَبْيَاتِ، وَقَصَد بَيْتًا مِنْهَا مُنْفَرِدًا فَبَرَزَتْ إِلَيْهِ مِنْهُ عَجُوزٌ فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ بِالرَّحْبِ والسَّعَة والأَمْنِ والدَّعَة والجَفِينَة المُدَعْدَعَة والغَلَبَةِ المُتْرَعَة. فَنَزَلَ عَنْ جَوَادِهِ وَدَخَلَ البَيْتَ، فَلَمَّا احْتَجَبَ عَنِ الشَّمْسِ وَحَفَقَتْ عَلَيْهِ الأَرْوَاحُ نام فلمْ يَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَصَرَّمَ الهَجِيرُ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَاةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا فِي الجَمَالِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَيُّهَا المَلِكُ الهُمَامُ هَلْ لَكَ فِي الطَّعَامِ، فَاشْتَدَّ إِشْفَاقُهُ وخَافَ عَلَى نَفْسِهِ إِذْ
(1) في تاريخ الخميس: من المجتحة السفره. (2) سورة التوبة: 107.
(3) تاريخ الخميس، الديار بكري، 28/ 1.
235