إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٧

عَرَفَتْهُ فَتَصَامَمَ عَنْ كَلِمَتِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: لَا حَذَر فِدَاؤُكَ البَشَر فَجَدُّكَ الْأَكْبَرِ وَحَظُنَا بِكَ الْأَوْفَرِ. ثُمَّ قَرَّبَتْ إِلَيْهِ ثَرِيدًا وَقَدِيدًا وَجيسًا (1) وَقَامَتْ تَدبُّ عنهُ حَتَّى انْتَهَى أَكْلهُ ثُمَّ سَقَتْهُ لَبَنًا صَرِيفًا وضَرِيفًا، فَشَرِبَ مَا شَاءَ وَجَعَلَ يَتَأَمَّلُها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً فَمَلَأتْ عَيْنَهُ جَمَالًا، وَقَلْبَهُ هَوَّى. فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمُكِ يَا جَارِيَة؟ قالت: اسْمِي عفيراء، قَالَ لَهَا: يا عُفيراءَ مَن الَّذِي دَعَوْتِهِ المَلِكَ الهُمَامَ؟ قَالَتْ: مَرْثَدٍ عَظِيمُ الشَّأْنِ حَاشِرُ الكَوَاهِن والكُهَّان المُعْضِلَة يَعِدُ بِهَا الجَانٌ. قال المَلِكُ: يَا عُفيراء أَتَعْرِفِينَ مَا تِلْكَ المعْضِلَةُ؟ قالَتْ: أَجَلْ أَيُّهَا المَلِكُ الهُمَامُ، إِنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ لَيْسَتْ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ، قَالت (2): أَصَبْتِ [86] يا عُفَيْرَاءُ فَمَا تِلْكَ الرُّؤْيَا؟ قَالَتْ: رَأَيْتَ أَعَاصِرَ رَوَابِع بَعْضُهَا لِبَعْضٍ تَابِع فِيهَا لَهَبٌ لَامِع وَلَهَا دُخَانٌ سَاطِع يَقْفُوهَا نَهْرٌ مُتَدَافِعِ، وَسَمِعْتَ فِيمَا أَنْتَ سَامِع دُعَاءَ ذِي جَرْسٍ صَادِعَ هَلُمُّوا إِلَى المَشَارِعِ رَوْيِ جَارِعِ وَعَذْقٍ كَارِعِ قَالَ المَلِكُ: أَجَل هَذِهِ رُؤْيَايَ هَاتِ تَأْوِيلَهَا يَا عُفَيْرَاءَ. قالت: الأَعَاصِرُ الزَّوَابِعُ مُلُوكُ تَبَابِع وَالنَّهْرُ عِلْمٌ وَاسِعٌ، والدَّاعِي نَبِيءٌ شَافِعٌ، والجَارِعُ وَليٌّ تَابِعٌ وَالكَارِعُ عُدُو لَهُ مُنَازِعٌ. قال المَلِكُ: يا عفيراء أَسِلْمٌ هَذَا النَّبِيء أَمْ حَرْبٌ؟ قالت: أُقْسِمُ بِرَافِعِ السَّمَاءِ وَمُنْزِلَ المَاءِ مِنَ الغَمَاء إِنَّهُ لَمَطْلُ الدِّمَاء ومُنْطِقُ العَقَائِلِ نُطْقَ الإِمَاء. قال المَلِكُ: إلى مَاذَا يَدْعُو يا عفيراء؟ قالت: إلى صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصِلَةِ أَرْحَامٍ وَكَسْرِ أَصْنَامٍ وتَعْطِيلِ أَزْلَامٍ وَاجْتِنَابِ آثَامِ. قال الملكُ: يا عُفَيْرَاءُ مَنْ قَوْمُهُ؟ قالت مضر بن نزار وَلَهُمْ مِنْهُ نَفْع مُثَار يَنْجَلِي عَنْ ذَبْحِ وَأَسَار. قال يا عفيراء: إِذَا ذَبَحَ قَوْمَهُ أَعْضَادُهُ؟ قالت: أعضادُهُ غَطَارِيفُ يمَانُون طَائِرِهُمْ بِهِ قَيِّمُونَ يَغْزُو بِهِمْ، فَيَغْزُون، وَيَدْمَثُ بِهِم الحُزُونَ وإِلى

فَمَنْ

نَصْرِهِ يَعْزُون (3).

قال لهيب بن مالك اللَّهبي: حَضَرْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ لوله لوله فذكرت الكَهَانَة فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله نَحْنُ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ حِرَاسَةَ السَّمَاءِ وَزَجْرَ الشَّيَاطِينِ وَمَنْعَهُمْ مِنْ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَذْفِ النُّجُومِ، وَذَلِكَ أَنَّا اجْتَمَعْنَا إِلَى كَاهِنِ لَنَا يُقَالُ لَهُ خَطرُ بن مَالِكٍ أَتَى عَلَيْهِ مِئَة وَثَمَانُونَ سَنَةً وهُوَ أَعْلَمُ كُهَّائِنَا فَقُلْنَا لَهُ: يَا خَطرُ هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ التِي يُرْمَى بِهَا، خِفْنَا عَاقِبَتَهَا؟ فقال: ايتُونِي بِسَحَرٍ أُخْبِرُكُمْ الخَبَرَ بِخَيْرٍ أَمْ ضَرَر وَأَمْنٍ أَمْ حَذَر فَانْصَرَفْنَا وأَتَيْنَاهُ سَحَر فَإِذَا هو قائمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ شاخِصٌ إِلَى السَّمَاءِ بِعَيْنَيْهِ فَنَادَيْنَاهُ: يَا خطر، فَأَوْمَى إِلَيْنَا أن اسْكتُوا وانْقَضَّ نجمٌ عظيمٌ مِنَ السَّمَاءِ فَصَرَخَ قَائِلًا: أَصَابَهُ أَصَابِهِ، خَامَرَهُ عِقَابُه، عَاجَلَهُ عَذَابُهُ، أَحْرَقَهُ شِهَابُه زَايَلَهُ جَوَابُهُ، يَا وَيْلَهُ مَا حَالُه بَلْبَلَهُ بَلْبَالُه، عَاوَدَهُ خَبَالُه، تَقَطَّعَتْ حِبَالُه، وَخُيِّرَتْ أَحْوَالُه، ثمَّ أَمْسَكَ طويلًا، ثمَّ قال: يا مَعْشَرَ بَنِي قَحْطَانْ أُخْبِركُم بِالحَقِّ والبَيَانِ أَقْسَمْتُ بِالكَعْبَة والأَرْكَان، والبَلَدِ المُؤتَمَنِ السُّكَّان، قَدْ مُنِعَ السَّمْعَ عُتَاةُ الجَان، بثاقب بِكَفِّ ذِي سُلْطَانٍ، مِنْ أَجْلِ مَبْعُوثٍ عَظِيمٍ

(1) في تاريخ الخميس: وحيسا. (2) صوابه: قال.

(3) تاريخ الخميس، الديار بكري، 29/ 1.

236