إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٤٠

فِي زَمَانِهِمْ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ عَلَى حِدِ مَا مَرَّ، وبما تَجيءُ بِهِ أُمَمُهُم وهم نُوَابُهُ وَكَأَنَّهُ جَاء هو بِهِ، فَالنَّاسُ في قوله: ((بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً)) يَشْملُ آدمَ ومَنْ بَعْدَهُ. ويدلُّ لذلك أَيْضًا قوله: ((كُنْتَ نَبِيئًا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ)) وقد خَلَقَهُ اللهُ نَبِيئًا ورسولًا قَبْلَ الأربعين، وذَلِكَ كما يُوَكَّلُ الأبُ الرَّجلَ على تَزْوِيجِ بِنْتِهِ إِذَا وَجَدَتْ كُفْوًا، فَالتَّوكِيلُ صَحِيحٌ والرَّجُلُ أَهْل للوَكَالَةِ والوَكالَةُ ثَابتةٌ، فَالتَّعَلُّقُ بِحَسَبِ المحلِ القَابلِ، وهو المَبْعُوثُ إِلَيْهِم وقبولهم.

وَفَرْقُ بَيْنَ تَوَقُفِ الفِعْلِ على قبولِ المَحَلِ وتَوَقُفِهِ على أَهليَّةِ الفَاعل، وَلَا تَوقُفَ هَنَا مِنْ جِهَةِ الفَاعِلِ ولا مِنْ

جهَةِ ذات النَّبيء، بل مِنْ جهةِ وُجودِ العَصْرِ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ، فَلَوْ وُجِدُوا فِيهِ لَكَانَتْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةً لَهُمْ. قال كَعْبُ الأحبارِ: أَنْزَلَ اللهُ تعالى على آدمَ الله عِصِيًّا بِعَدَدِ الأنبتَاءِ والمُرْسَلِينَ، ثُمَّ أَقْبَل على ابْنِهِ شِيتَ، فقال: أَيْ بُنيَّ أَنْتَ خَليفَتِي مِنْ بَعْدِي فَخُذْهَا بِعِمَارَةِ التَّقوَى والعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَكُلَّمَا ذَكَرْتَ اللهَ فَاذْكُرْ اسْمَ محمَّدٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ اسمهُ مَكْتُوبًا على ساقِ العَرْشِ وَأَنَا بَيْنَ الرُّوحِ والطَّينِ، وإِنِّي طُفْتُ السَّماوَاتِ فَلَمْ أَرَ في السَّماواتِ مَوضعًا إِلَّا رَأَيْتُ اسْمَ محمَّدٍ مكتوبًا عَلَيْهِ، وَإِنَّ رَبِّي أَسْكَنَنِي الجَنَّةَ، فَلَمْ أَرَ فِي الجنَّةِ قَصْرًا ولا غُرْفَةً إِلَّا اسم محمَّدٍ مكتوبٌ عَلَيْهِ. ولَقَدْ رأَيْتُ اسْمَ مُحَمَّدٍ مَكْتُوبًا عَلَى نُحُورِ الحُورِ الْعِينِ وعَلَى وَرَقِ قَصَبِ أجامِ الجنَّة وعلى وَرَقِ شَجَرَةِ طُوبَى، وَعَلَى وَرَقِ سِدْرَةِ المُنتَهَى

وعلى أَطْرَافِ الحُجُبِ وبَيْنَ أَعْيُنِ الْمَلَائِكَةَ، فَأَكْثِرُ ذِكْرِهُ فإِنَّ المَلائِكَة تُكْثِرُهُ في كلِّ سَاعَاتِها (1). وَهُوَ مِن [88 و] الإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وحَكَمَ بَعْضُ الحُفَّاظِ بِوَضْعِهِ، وأُجِيبَ بِأَنَّ الحُكمَ بوَضْع جُمْلَةِ أَلْفَاظِهِ لَا يَسْتَلزِمُ عَدَمَ ثُبُوتِ مَعَانِيهَا؛ إِذْ يَجُوزُ ثُبُوتُ بَعْضٍ مَعَانِي بَعْضِهَا فِي أَحَادِيثَ، فَنَظَرُوا إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ وُجُودُها فِي غَيْرِ حَدِيثِ كَعْبٍ.

واعتُرِضَ بأنَّ هذا تجويز عَقْلِيٌّ، لا يَلْتَفِتُ إليه المحدّثونَ؛ إِذْ كَلَامُهُم إِنَّمَا هُوَ فِي الإِسْنَادِ الَّذِي هو المرقاة. وثبوتُ معنى الموضوع في القرآنِ أو الأحاديثِ لا يُؤيّد الموضُوعَ فيُنْفَى عَنْهُ الوَضِعُ. ويُجَابُ بِأَنَّ المَرَادَ إِثْبَاتُ مَعْنَاهُ وَلَوْ كَانَ مَوْضُوعًا لَا نَفْيُ اسْمِ الوَضْعِ عَنْهُ. وَعَنْ علي بن أبي طالب: مَا بَعَثَ اللهُ نَبيئًا إِلَّا أَخَذَ المِيثَاقَ عَلَيْهِ لِئِن بَعَثَ مِحمَّدًا لِيُؤْمِنُنَّ ويَأْخُذُ هُوَ الميثاقَ عَلَى أُمَّتِهِ بِذَلِكَ (2).

وكعب المذكورُ هو كعب الأخبارِ، كَعْبُ بنُ مَانِعَ الحِميرِي، كَانَ يَهُودِيًا مِنْ أَحْبَارِ اليَمَنِ أَدْرَكَ النبي صلى الله عليه وسلم وَأَسْلَمَ. وقيلَ أسْلَم فِي خِلافَةِ أبي بكر، وقيل في خلافة عمر رضي الله عنهُمْ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَسَكَنَ الشَّامَ وماتَ في خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وله أكثر مِنْ مِئَةٍ سَنَةٍ.

(1) تاريخ دمشق ابن عساکر، 281/ 23، والدر المنثور، السيوطي، 132/ 5.

(2) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 100/ 3.

239