الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٢مَعَهُ عَلَى الوَادِي إِلى مَغَارَتِهِ مَاشِيَيْن عَلَى المَاءِ، وَقِبْلَتُهُ فيها قِبْلَةُ إبراهيم، فَقَالَ له إبراهيم: يا عَبْدَ الله أيّ الأيَّامِ أَشَدُّ هَوْلًا وَأَعْظَمُ؟ قال: يَوْمَ يَضَعُ الله كرسيَّهُ لِلْحِسَابِ وَيَأْمرُ بِجَهَنَّمَ فَتَزْفَرُ زَفْرَةً فَلَا يَبْقَى مَلَك مَقَرَّبٌ ولا نبيءٌ مُرْسَلٌ إِلا خَرَّ لِوَجْهِهِ صَعِقَا تهمُّهُ نفسُهُ غير النّبيءِ العَرَبيّ صَاحِبِ الرِّدَاءِ والإِزارِ وَالسَّيْفِ والسَّوط والعَصَا والحِمَارِ والفَرَسِ، فَقَالَ لَهُ إبراهيمُ: مَنْ تَعْنِي؟ فَقَالَ: أَعنِي نبيئًا بَيْنَكَ وبَيْنَهُ زَمَانٌ بَعِيدٌ، ذَلِكَ خَيْرُ الأنبئاءِ والرُّسُل خَاتِمُهُم، اسمُهُ أَحْمَد و محَمَّد ومَحْمُود وفَارْقَلِيط، يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ وأَمِينٌ وَصَادِقٌ، لَهُ أَسْماءٌ كَثِيرَةٌ لَا يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَلَا سَوطِهِ وَلَا عَصَاهُ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللهِ، يُظهِرُ التَّوْحِيد فِي الأرضِ ويَكْثرُ فِي زَمَانِهِ وَيَفْشُو، أُمَّتُهُ الحَمَّادُونَ وَأُمَّتُهُ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، قَالَ إِبْرَاهِيم: فَهَلْ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ أَنْ تَدْعُوَ اللهَ لي وَلَكَ لَعَلَّ اللهَ يُنْجِينَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ الرَّجلُ: وَمَا تَصْنَعُ بِدُعَاءِ وَلِي فِي السَّمَاءِ دَعْوَةٌ مَحْبُوسَةٌ مُنْذُ زَمَانٍ؟
قال إبراهيم: أفلا أخبركَ مَا حَبَسَ دَعْوَتَكَ في السَّماءِ؟ قال الرَّجُلُ: بَلَى فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ لَهُ إِبراهيم ال: فإنَّ الله تعالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَبَسَ حَاجَتَهُ مَعَ دَعْوَتِهِ [89] لحُبّهِ لَهُ وَلِصَوْتِهِ ودُعَائِهِ، ثُمَّ يَجْعَل لَهُ كُلَّ مَسْأَلَة سَأَلَهَا دُخْرًا لَا يَخْطُرُ الدُّحْرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَيَغْفِرُ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ بِقَدْرِ دُعَائِهِ أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثلَ دُعَائِهِ وَرُبَّمَا عَجَّل لِلْمُؤْمِنِ مِنْ بَعْضٍ حَاجَتِهِ لئلا يَقْنط. فَقَالَ لَهُ: أَخبرني ما دَعْوتُكَ المَحْبُوسَة؟ قَالَ: مرَّ هُنَا شَابٌ لم أرَ أَحْسَنَ مِنْهُ ولا أَبْهى (1) شَبِيةٌ بِكَ، مَعَهُ (2) غَنَمٌ يَرْعَاهَا كَأَنَّما حُشِيَتْ شَحْمًا، وَبَقَرٌ كَأَنَّمَا دُهِنَتْ بِالدُّهْنِ، فقلتُ: يا عبد الله لِمَنْ هَذَا الغَنَمُ والبَقَرُ؟ فَقَالَ: لإبراهيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لَكَ فِي الأَرْضِ خليلٌ فَأَرِنِيهِ قَبْلَ حُرُوحِي مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ال: يا عبد الله قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكَ أَنَا إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحمن فَعَانقهُ الرَّجلُ (3). فإبراهيم أَوَّلُ مَنْ عَانَقَ واللهُ أَعْلَمُ. أنَّ بخت نصر ((4) سَأَلَ دانيال الله عَنْ رُؤيَا وطَلَبَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بهَا وَبِتَأْوِيلها، فَقَالَ دانيال
ويُروى
ال: أَيُّها المَلِكُ رَأَيْتَ صَنَما بَارِعَ الجَمَالِ أَعْلَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَوَسَطُهُ مِنْ فِضَّةٍ وأَسْفَلُهُ مِنْ نُحَاسٍ وسَاقَاه مِنْ حديد وقدماه (5) مِنْ فَخَارٍ، فَبَيْنَمَا أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَقَدْ أَعْجَبَكَ إِذْ ذَقَهُ اللهُ بِحَجَرٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ فَطَحَنَهُ، حَتَّى خَلَطَ ذَهَبَهُ وَفِضَتَهُ وَنُحَاسَهُ وَحَدِيدَهُ وفَخَارَهُ، ثُمَّ إِنَّ الحَجَرَ رَبَا وَعَظُمَ حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ كُلَّها. فَقَالَ بَخت نصر: صَدَقْتَ فَأَخْبِرْنِي بِتَأْوِيلِهَا. فَقَالَ دَانْيَالُ اللةِ: الصَّنَمُ أُمَمٌ
(1) في الأصل: أبها. (2) في الأصل: معها.
(3) إثبات صفة العلو، ابن قدامة، ص 140.
(4) في الإعلام بما في دين النصارى: نبوخذ ناصر، وهو تصحيح من محقق الكتاب فقد قال. الهامش فى المخطوطة بخت نصر. ص 227. (5) عليها علامة تصحيح، وفي الهامش ورجلاه، كما في الإعلام بما في دين النصارى.
241