الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٩إنَّ البحث في غايات تأليف هذا الكتاب يقود إلى أن نميز بين الاستجابة الوجدانية الشاعرِيَّة العاطفية (1) لأيّ مؤثر، والاستجابة العلمية الفنيَّة؛ أيْ إِنَّ هذا المؤلف الذي حشرته في خانة الشروح الشّعريَّة، لا بدَّ أن ينظر إليه من الشَّقَينِ؛ شقّ الاستجابة العاطفية الوجدانية يشترك فيها من يحمل في قلبه حبّا وتعلقا بذاتِ محمد، وشَوْقاً لزيارة قبره، والتبرك بالتقرُّبِ إليه بشتَّى الصَّلواتِ والأدعية والأذكار وفي الشّقِّ الثَّاني ينظرُ في الغاية الأدبية
التي
والفنّيّة والصناعيّة لهذا المؤلّف، الذي يملك بطاقة تعريفه وزمرته التي ينتمي إليها. لقد كان أطفِيَّش يزاولُ التدريس، يدلُّ على ذلِكَ تراتُه الرَّحْمُ الذِي خلَّفه وراءَهُ للأجيال، وكذلِكَ سعيُهُ إلى أن تبلغ مؤلّفاتُه حيثُ يصل صداها، سواء داخل بلده الجزائر أو خارجه، لذلك كان هناك مخطوطات لكتبه في تونس وعمان وزنجبار، كما أنَّ مجموعةً من كتبه قد تم طبعها وتداولها في بلدان مختلفة بفضل جهودِهِ وجهودِ الذين عملوا معه في بلوغ
أهدافه.
إنَّ ممّا يحتمل أن يكون داعيا إلى اختيار المصنف هذه القصيدة على غيرها تصديه لشرح قصيدة لم تتناول مِنْ قَبْلُ، فلا يقعُ في مظنّة نقل الأقوال والاعتماد على الشروح السابقة، هذا كله مدعاة إلى الاجتهاد، واختبار المعلومات والقدرات في علوم اللغة المختلفة. لا يبدو أنَّ الشَّارِحَ قد عمد إلى شرح القصيدة اعتماداً على معايير فنية؛ أي باعتبار حسن نظم القصيدة وقيمتها الأدبيَّة، ويؤكِّدُ هذا ضمور الجانب النقدي في الشرح، الذي في الأصل سيعنى بتعديل وإطلاق أحكام التَّحسين والتقبيح والإجادة على نظم القصيدة، مِنْ حَيثُ ألفاظها وتصويرها وموسيقاها إلّا من ملاحظاتٍ قليلة أشرتُ إليها في المبحث الخاص بذلك.
(1) تقدم نظرية التلقي في هذا المضمار تأطيرا لمراحل استقبال الأعمال الفنية يبينها د. إدريس بلمليح كما يلي: «التلقي الذي
عن
يهتم بزمن الدهشة الجماليَّة عند القارئ تطبعه أحكام القيمة والمقاييس العامة، وزمن القراءة الاستعادِيَّة والمبررة تسعى إلى تبرير الدهشة طريق محاولة الفهم والتفسير والتَّقويم، ثمّ زمن القراءة التاريخية التي تمثل تداول العمل الفنّي من خلال أجهزة قراءة متعددة، تعايشه طيلة تاريخه المتجدّد، أو ما يمثله حدث القراءة على العموم». ينظر: المختارات الشعريّة وأجهزة تلقيها، ص 8، ص 11، أطروحة دكتوراه، كلية
الآداب، الرباط.
46