الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٧واسْتَصْحَبَ مِن الإنس والجن والشياطين والطيور والوحوش ما يَبْلُغُ مُعَسْكَرُهُ مِئَةَ فَرسَخِ، فَحَمَلَتْهُم الرِّيحُ فَوَافَى الْحَرَمَ وحَجَّ وأَقَامَ بِهِ ما شَاءَ اللهُ، وكانَ يَنْحرُ كُلَّ يَوْمٍ طُولَ مقامِهِ خَمْسَةَ آلافِ ناقَةٍ، ويذْبَحُ خَمْسَةَ آلافِ ثَوْرٍ وعِشْرِينَ أَلْفَ شَاةٍ وقَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ: هَذَا مَكانٌ يَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيءٌ عَرَبِيٌّ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، يُعْطَى النُّصرةَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ نَاوَأهُ، وتَبْلُغُ رَهْبَتُهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. القَرِيبُ والْبَعِيدُ فِي الحَقِّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، لا تَأْخُذهُ فِي اللهِ لَوْمَة لَائِمٍ. قالُوا: فَأَيِّ دِينِ يَدِينُ يَا نَبِيءَ اللهِ؟ قال: يدِينُ بدِينِ الحَنِيفِيَّةِ، وطُوبَى لِمَنْ أدرَكَهُ وآمَنَ بِهِ قَالُوا كَمْ بَيْنَ خَرُوجِهِ وبَيْنَ زَمَانِنَا يَا نَبِيءَ اللهِ؟ قَالَ: مقْدَار أَلْفِ عَامٍ، فَلْيُبَلّغ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغَائِبَ فَإِنَّهُ سَيِّدُ الأَنْبِنَاءِ وخَاتِمُ الرُّسُلِ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى قَضَى نُسُكَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ صباحًا وسَارَ نَحْوَ الْيَمَنِ، فَوَافَى صنعاء وَقْتَ الظَّهِيرَةِ والزَّوالِ، وذلِكَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ (1). وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِي الْعَظِيمِ.
وجاءَ
عُمْيَان
ولَمَّا أَظَلَّتْ مُدَّةُ الْمَوْلِدِ [91] الَّذِي نَوَّرَ الرَّحْمَنُ أَلْبَابَ به تَدَاوَلَت الأَحْبَارُ الأَحْبَارُ أَخْبَارَكَ التِي يَهِيمُ بِهَا زَاكِي النُّفوس بأشجانِ سطيح بالصريح مُثَنِيا بِمَا قَالَ شَقَّ مِنْ تَبَدُّدِ أَوْثَانِ وَلَمَّا أَشْرَفَتْ مُدَّةُ زمَانِ الوِلَادَةِ الذِي
نوَّرَ اللهُ بهِ لَا بِغَيْرِهِ عقُولَ جُهَّالِ ذَلِكَ الزَّمَانِ الشَّبِيهِينَ بِعُمْيِ الأَبْصَارِ. تَنَاوَلَتِ العُلَمَاءُ الإِسْرَائِيليُّونَ، ونَحْوُهم مِمَّن لَهُ عِلْمٌ بِالْكُتُبِ الْأُولَى، أَخْبَارَ نَبُوءَتِكَ ورسالتِكَ وهَدْيِكَ وعَلَامَاتِكَ بأَلْسِنَتِهِمْ، يَذْكُرُها بَعْضَ لِبَعْضٍ ولِغَيْرِهِم، الْمَوْصُوفَةُ تِلْكَ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا يَصِيرُ بِهَا، لِشِدَّة الْحُبّ، كالتَّائِهِ الْحَائِرِ الذِي لَا يَدْرِي إِلَى أَيْنَ يَهْتَدِي، جِنْسُ مَنْ زَكَتْ نَفُوسُهُم مَصْحُوبًا بِأَحْزَانِ.
وجَاءَ سطيح بِالْخَبَرِ الصَّرِيحِ فِي شَأْنِهِ مِن تَفَرُّقِ الْأَوْثَانِ بهِ الله عَاقِبًا لِشَقٌ، وَمُصَيِّرًا لِلْعَدَدِ اثْنَيْنِ سطيح وشق بِمَا قَالَ شق.
واخْتَارَ لَفْظَ "الرَّحْمَنِ" إِيذَانًا بِأَنَّ إِرْسَالَهُ لا وَ رَحْمَةٌ لِأَهْلِ فَتْرَةٍ عمت ومَنْ يَأْتِي بَعْدُ، إِلَّا مَنْ أَبَى.
والرَّحْمَنُ: مُرِيدُ الإِنْعَامِ أَو المُنعِمُ، فَالرَّحْمَةُ صِفَةٌ لَهُ وَعَل أَو فِعْلَ لَهُ. والمُرادُ بالزَّاكِي: جِنْسُ مَنْ طَهُرَتْ نَفْسُهُ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ النُّفوس، ولَوْ قَالَ: زَاكو (2) النُّفُوسِ لَصَحَّ. ومَعْنَى إِظْلَالُ الْمُدَّةِ قُرْبُ آخِرِ الأَجَل، علَى أَنَّ المُدَّةَ جُمْلَهُ ما سَبَقَ الْمَحْدُودِ لَهُ، أَوْ قُرْبُ الْمَحْدُودِ لَهُ، عَلَى أَنَّ المُدَّةَ نَفْسُ مَا حُدَّ لَه.
(1) معالم التنزيل، البغوي، 153/ 6 - 154.
(2) في الأصل: زاكوا، وتقدمت الإشارة إلى هذه الألف التي يستعملها الشارح، كما في كقولك: عمرو وبَنُوهُ مولودوا زَيْد، [90].
246
52
53
54