الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٩ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ شَقٌ، فَقَالَ لَهُ كَقَوْلِهِ سطيح وَكَتَمَهُ مَا قالَ سطيح لِيَنْظُرَ أَيَتَّفِقَانِ أَمْ يَخْتَلِفَانِ. قالَ: نَعَمْ رَأَيْت حُمَمة، خَرجت مِنْ ظَلمَة، فَوَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضَةٍ وأكمه فأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذِي نسمة. فَعَرَفَ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا، وأَنَّ قَوْلَهُمَا واحِدٌ في الْمَعْنَى، ولَو اخْتَلَفَ
بعْضُ اللَّفظِ. فَقَالَ: مَا أَخْطَأْتَ يَا شَقَّ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟
فقَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ إِنْسَان ليَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمْ السودان فيَغْلِينَّ عَلَى كُلِّ طَفْلَةٍ (1) رخصة البنان، ولَيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَن إِلَى نجران. فقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وأَبِيكَ يَا شق إِنَّ هَذَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، فمَتَى هُوَ كَائِنْ فِي زَمَانِي أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا بَلْ بَعْدَهُ بِزَمَانٍ، ثُمَّ يَسْتَنْقِذَكُمْ مِنْهَا عَظِيمٌ ذُو شَأْنٍ ويُذِيقُهُمْ أَشَدَّ الْهَوَانِ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ هذَا الْعَظِيمُ الشَّانِ؟ قالَ: غُلَامٌ لَيْسَ بدَنِي ولا مُدَنٌ (2) يخرجُ مِنْ بَيْتِ ذي يزن. قال: أَفَيَدُومُ سُلطانُهُ أَمْ يَنْقَطِع؟ قالَ: بَلْ يَنْقَطِع بِرَسُولٍ مُرْسَلِ يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ والْفَضْلِ يَكُونُ الْمَلكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى يَوْمِ الْفَضْل. قالَ: ومَا يَوْمُ الْفَصْلِ؟
قالَ: يَوْمَ تُجزَى فيهِ الولاة ويُدْعَى فِيهِ مِنَ السَّمَاءِ بِدَعَوَاتٍ يَسْمَعُ مِنْهَا الأَحْيَاءُ والْأَمْوَاتُ ويُجْمَعُ فِيهِ النَّاسُ الْمِيقَاتِ، يَكُونُ فِيهِ لِمَن اتَّقَى الْفَوْزُ وَالْخَيْرَاتُ. قَالَ: أَحَقُّ مَا تَقُولُ؟ قالَ: إِي وَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ، ومَا بَيْنَهُمَا مِنْ رَفْعِ وخَفْض، إِنَّ ما أَنْبَأَتُكَ بِهِ لَحَقِّ مَا فِيهِ أَمْضِ (3).
فوَقَعَ فِي نَفْسٍ ربيعة بن نصر مَا قَالَاهُ (4). ومِن بَقِيَّةِ وَلَدِ رَبِيعَةَ بن نَصْر النعمان بن المنذر (5). وكان سطيح جسَدًا مُلْقَى لَا جَوَارِحَ لَهُ فِيمَا يَذْكُرُونَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْجُلُوسِ إِلَّا إِذَا غَضِبَ انْتَفَخَ فَجَلَسَ، وأَمَّا شقّ فَكَانَ شق إِنْسَانًا بِيَدٍ وَاحِدٍ ورِجْلٍ واحِدَةٍ وعَيْنِ واحِدَةٍ. وقيل السطيح: مِنْ أَيْنَ لَكَ هذا الْعِلْمُ؟ فَقَالَ: لي صَاحِبٌ منَ الجِنِ اسْتَمَعَ أَخْبَارَ السَّماءِ مِنْ طُورِ سِينَاءَ حِينَ كَلَّمَ اللهُ مُوسَى، فَهُوَ يُودِي إِليَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُودِيهِ (6).
والحُمَمة: قِطْعَةٌ مِن نَارٍ، وحُرُوجُهَا مِنْ مِن نَارٍ، وحُرُوجُهَا مِنْ ظُلُمَةٍ يُشبِهُ خرُوجَ الْحَبَشَةِ مِنَ السُّودَانِ والأَرْضُ التَّهِمَة: المنْخَفِضَة ومِنْهُ تهامة. وإرم ذو يزن: سيف ذو يزن، وجَعَلَ إِرَما مَكَانَ سَيْف مَدْحًا بِالْعِلمِ، أَو شَبَّهَهُ
(1) الطَّفْلُ: الرَّحْصُ النَّاعِمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. تاج العروس (طفل).
(2) المُدَنِّي المُقَصِّر عما ينبغي له أن يَفْعَله. لسان العرب (دنا)، وسيشرحه المؤلف ب: مَنْ يَجْمَعُ إِلَى الدَّنَاءَةِ الضُّعْفَ.
(3) الأَمْضُ: الباطل وقيل الشَّكّ. لسان العرب (أمض).
(4) أسقط المؤلف عبارة:" فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد، فأسكنهم
الحيرة". تاريخ الرسل والملوك الطبري 112/ 2، والعبارة ليست في سيرة ابن إسحاق.
(5) سيرة ابن إسحاق، 22/ 1 - 25، وتاريخ الرسل والملوك، الطبري، 112/ 2 - 114.
(6) الروض الأنف: السهيلي، 67/ 1.
248