الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٢لهُ عَنْ ذَبْحِهِ؛ إِذْ نَذَرَ بِذَبْحِهِ إِذْ أَمَرَتْهُ الكَاهِنَةُ أَنْ يُقَرِّبَهُ وعَشْرَةً مِنَ الإِبِلِ، وكانت العَشَرَةُ دِيَّةَ الرَّجُلِ عِنْدَهُم، فإنْ وقَعَتْ عَلَيْهَا، وإِلَّا فَزِدْ عَشَرَةً عَشَرَةٌ عَلى [أَنْ] تَقَعَ عَلَيْهَا، فَوقَعَتْ عَلَى الْمِئة، فَكَانَت الدِّيَّةُ مِئَةً وأَقَرَّها الإِسْلَامُ لِلْمُسْلِمِين بأَمْرِ اللهِ، وذلك أَنَّها رَأَتْ نُورَ النُّبوءَةِ فِي وَجْهِهِ، وَرَجَتْ أَنْ تَحْمِل بِهَذا النَّبِيء صلى الله عليه وسلم فقال لَهَا: أَنَا مَعَ أَبي ولا أَسْتَطيعُ خِلَافَهُ وَلَا فِراقَهُ. وَقِيلَ أَجَابَهَا بِقَوْلِهِ: أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهُ وَالْحِلُّ لَا حِلَّ فَأَسْتَبِينَهُ فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الذِي تَبْغِينَهُ يَحْمِي الْكِرَامُ عِرْضَهُ وَدِينَهُ (1) فلمَّا أَتَى بِهِ إِلَى وهب بن عبد مناف بن زُهْرَة، وهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ [193] بَنِي زِهْرَة نَسَبًا وشَرَفًا فزَوجه ابنَتَهُ آمِنَةً وهِيَ أَفْضَلُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَسَبًا ومَوْضِعًا، فَزَعَمُوا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَقَعَ عَلَيْهَا يَوْمَ الاثْنَيْن أَيَّامٍ مِنى، في شعب أبي طالب عِنْدَ الجَمْرَة الوُسْطَى، فحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِها فأَتَى الْمَرْأَةَ التِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ ما عَرَضَتْ، فقالَ لَهَا: مَا لَكِ لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا عَرَضْتِ بالأمس؟ فقَالَتْ: فارَقَكَ النُّورُ الذي كانَ مَعَكَ بالأَمْسِ فَلَيْسَ لِي بِكَ الْيَومَ حَاجَةٌ، إِنَّما أَردْتُ أَنْ يَكُونَ النُّورُ فِيَّ،
فأَبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ يشاء (2). قال بَعْضُ: لَوْ أَبْصَرَ الشَّيْطَانُ طَلْعَةَ نُوره فِي وَجْهِ آدَمَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَجَدْ أَوْ لَوْ رَأَى النُّمْرُوذُ نُورَ جَمَالِهِ عَبَدَ الْجَلِيل مَعَ الْخَلِيلِ وَمَا عَنَد لَكِنْ جَمَال اللهِ عَزَّ (3) فَلَا يُرَى إِلَّا بِتَحْصِيص مِنَ الله الصد (54) ولمَّا حَمَلتْ آمنة بِرَسُولِ اللهِ لا الله ظَهَرَ لِحَمْلِهِ عجَائِب، ووجد لإِيجَادِهِ غَرَائِبٍ. فَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّتْ نُطْفَتُهُ الزَّكِيَّةُ ودُرَتُهُ المُحَمَّدِيَّةُ في صدفة آمنَةَ القُرَيْشيَّة، نُودِيَ فِي الْمَلَكُوتِ ومَعَالِمِ الجَبَرُوتِ أَنْ عَظِروا جوَامِعَ القُدْسِ الأَسْنَى، وبَخِرُوا جَهَاتِ الشَّرَفِ الأَعْلَى، وافرشُوا سَجَّادَاتِ العِبَادَاتِ فِي صفف الصَّفا لِصُوفِيَّة الملائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ أَهْلِ الصِّدْقِ والوَفَاءِ، فَقَد
انْتَقَلَ النُّورُ المَكْنُونُ إِلَى بَطْنِ آمَنَةَ ذاتِ الْعَقْلِ البَاهِرِ والفَحْرِ المصُونِ، قَدْ خَصَّها الْقَرِيبُ المُجِيبُ بهَذَا السَّيِّدِ الْمُصْطَفَى الْحَبِيبِ؛ لِأَنَّهَا أفْضَلُ قَوْمِها حَسَبًا، وأَنْجَبُ وأَزْكَاهُم أصْلًا وفَرْعًا وأَطْيَبُ (6).
(1) البيتان من الرجز، والقصَّة في تاريخ الطبري، 244/ 2 - 245، وتاريخ دمشق، ابن عساكر، 404/ 3، والروض الأنف، السهيلي، 91/ 2، والمواهب اللدنية، القسطلاني، 116/ 1، وتاريخ الخميس، الديار بكري، 184/ 1
(2) المواهب اللدنية، القسطلاني، 116/ 1 - 117.
(3) في المواهب: جل. (4) الأبيات أضافها المؤلّف على الهامش.
(5) الأبيات من الكامل، من قصيدة لسيدي علي وفا، الشاذلي المالكي ت:807 هـ، المواهب اللدنيَّة، القسطلاني، 84/ 1، ينظر ترجمته في:
شذرات الذهب، ابن العماد 352/ 8.
(6) المواهب اللدنية، القسطلاني، 117/ 1 - 118.
251