الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٠وقيل: لَمَّا قالَ اللهُ عزَّ وعَلَا: إيتِيَاطَوْعًا أَوْ كَرْها (1) أَجَابَ مَوْضِعُ الكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ وَمِنَ السَّمَاءِ مَا يُحَاذِيهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاس: أَصْلُ طِيئَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ سُرَّةِ الْأَرْضِ بِمَكَّةَ، فَيَدُلُّ أَنَّه أَجَابَتْ تُرْبَتُهُ مِنْ مَوْضِعِ الكَعْبَةِ، ومِنْ مَوْضِعِ الكَعْبَةِ دُحِيَت الأَرْضُ. فرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّكْوِينِ والكَائِنَاتُ تَبَعٌ لَهُ قِيلَ فَسُمِّيَ أُمِيَا؛ لِأَنَّ مَكَّةَ أُمُّ الْقُرَى، وتَمَوَّجَ الماءُ إِلَى حَيْثُ دُفِنَ صلى الله عليه وسلم وَأَلْقَى فِيهِ زُبْدَتَهُ التِي تَصِيرُ تُربتهُ (2). ويُروى لما خلق الله آدمَ أَلْهَمَهُ أنْ قَالَ: يَا رَبِّ لِمَ كنَّيتَنِي أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قالَ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى نُورَ مُحَمَّدٍ فِي سَرَادِقِ العَرْشِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا النُّورُ؟ قَالَ: هَذَا نُورُ نَبِيءٍ مِنْ ذُرِّيَّنِكَ اسْمُهُ فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ وفِي الأَرْضِ مُحَمَّدٌ، لَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُكَ وَلَا خَلَقْتُ سَمَاءً وَلَا أَرْضًا (3). قالَ قَائِلٌ: وَكَانَ لَدَى الْفِرْدَوْسِ فِي زَمَنِ الصِّبَا وَأَثْوَاب شَمْلِ الْأُنْسِ مُحْكَمَةُ السدا يُشَاهد [96] في عَدْنٍ ضِياءً مُشَعْشَعًا يَزِيدُ عَلَى الْأَنْوَارِ فِي الضَّوْءِ وَالْهُدَى فَقَالَ: إِلَهِي مَا الصِّيَاءُ الذِي أَرَى؟ جُنُودُ السَّما تَعْشُو إِلَيْهِ تَردُّدا فَقَالَ: نَبِيءٌ خَيْرُ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى وَأَفْضَلُ مَنْ فِي الْخَيْرِ رَاحَ أَوِ اغْتَدَى تَخَيَّرْتُهُ مِنْ قَبْلِ خَلْقِكَ سَيّدَا وَأَلْبَسْتُهُ قَبْلَ النَّبِيِّينَ سُودَد (4) وإنْ قُلْتَ فى الصَّحِيحَيْنِ: كُلُّ مَوْلُودٍ يَنْخَسُهُ الشَّيْطَانُ فَيَصِيحُ إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَمَ، قَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: وَإِنِّي أُعِيدُهَا بِك (5) إلخ)) (1) قُلْتُ: لِنَبِيئِنَا مِنَ الْمَزَايَا مَا يَنْغَمِرُ هَذَا فِي جَنْبِ أَدْنَاهَا، وقَدْ يَكُونُ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ أَوْ مَزَايَا لَيْستْ فِي الْفَاضِلِ، لَكِنْ فِيهِ مَا يَخْلَفُ
ذَلِكَ ويَفُوقُهُ. وأفعالُ اللهِ عِنْدَنَا وعِنْدَ الأشاعرة لَا تُعَلَّلُ بالأَغْرَاضِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَها بِهَا يَسْتَدْعِي اسْتِكْمَالًا وَهُوَ فَرْعٌ تَقَدَّم النَّقْصَ والْحَاجَة تَعَالَى اللهُ عَنْهُمَا. ومَا أَوْهَمَ ذلِكَ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحِكْمَةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ مصَالِحُ لِخَلْقِهِ لَا بَوَاعِتْ لِأَفْعَالِهِ.
ويُذْكَرُ أَنَّهُ كَانَ تُسْمَعُ تَلْبِيَّةُ النَّبِي له بالحَجّ مِنْ صُلْبِ جَدِهِ إلياس بنِ مُضَر. وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ
(1) سورة فصلت: 11.
(2) المواهب اللدنية، القسطلاني، 69/ 1، بتصرف.
(3) (م، س)، 69/ 1 - 70 بتصرف.
(4) الأبيات من الطويل، سبق تخريجها، ينظر: [74 و].
(5) سورة آل عمران: 36.
(6)
حيح البخاري، حديث (4548)، وصحيح مسلم، حديث (2366).
259