إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٢

الْمُطَّلِبِ يَفُوحُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ الأَذْفَرِ، ونُورُ رَسُول اللهِ يُضِيءُ فِي غُرَتِهِ، وَكَانَتْ قُرَيْسٌ إِذَا أَصابَهَا قَحْط تَأْخُذُ بِيَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَتَخْرُجُ بِهِ إِلَى جبل ثَبِير فَيَتَقَرَّبُون بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى ويَسْأَلُونَهُ أَنْ يَسْقِيَهُم الْغَيْثَ، فَيَسْقِيهم اللهُ ببَرَكَةِ نُور سَيّدِنَا مُحَمَّد وَ غَيْنًا عَظِيمًا (1).

[96] ولمَّا قَدِمَ أَبْرهة مَلِكُ اليَمَنِ مِنْ قِبَلِ أصحمة النّجاشي لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَبَلَغَ عَبْدَ المُطَّلِبِ ذَلِكَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَصِلُ إِلَى هَدْمِ هَذَا البَيْتِ؛ لأَنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبًّا يَحْمِيهِ ويَحْفَظُهُ، وجاءَ أَبْرَهةُ فَاسْتَاقَ إِبِلَ قُرَيْش وغنَمَهَا وَكانَ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ فِيهَا أَرْبَعُ مِئَةٍ نَاقَةٍ، فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي قُرَيش حَتَّى طَلَعَ جَبَلَ ثَبِير، فاسْتَدَارَتْ دَائِرَةُ غُرَّة رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَبِينِهِ كَالْهِلَالِ، واشْتَدَّ شُعَاعُها عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِثْلَ السّراجِ، فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ المطَّلِبِ إِلَى ذَلِكَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ارْجِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ هَذَا الْأَمرَ، فَوَاللهِ مَا اسْتَدَارَ هَذَا النُّورُ مِنِّي إِلَّا أَنْ يَكُونَ الظَّفَرُ لَنَا، وَرَجَعَ العَدُوُّ مُتَفَرِّقًا وأَرْسَلَ أَبْرَهَهُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ ودَخَلَ مَكَّةَ، ونَظَرَ إِلَى وَجْهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَخَضَعَ وتَلَجْلَجَ لِسَانُهُ وخَرَّ مَغْشِيًّا عليْهِ، فَكَانَ يَحُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ عِنْدَ ذَبْحِهِ، ولَمَّا أَفَاقَ خَرَّ سَاجِدًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ حَقًّا. وَلَمَّا حَضَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ أَبْرَهَةَ أَمَرَ بِسَائِسِ فِيلِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي كَانَ لا يَسْجُدُ لِلْمَلِكِ أَبْرَهَة كَمَا تَسْجُدُ سائِرُ الفِيَلَةِ لَهُ أَنْ يُحْضِرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَحْضَرَهُ، فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَبَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ وخَرَّ سَاجِدًا وأَنْطَقَ اللهُ تعَالَى الْفِيلَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَى النُّورِ الذِي فِي ظَهْرِكَ

يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ (2). والْمُعْجِزَةُ يَجُوزُ تَقَدُّمُها عَلَى دَعْوَى الرِّسَالَةِ تَمْهِيدًا لَهَا، كما أَظَلَّتْهُ الغَمَامَةُ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَكَمَا جَعَلَهُ اللهُ نُورًا فِي أَبِيهِ ومَنْ قَبْلَه. وقِيلَ: لا يُسَمَّى مُعْجِزَةً قَبْلَهَا، ولَمَّا تَأَكَدَتْ نبوءتُهُ لَمْ يُهْلِكَ اللهُ الحَجاج فِي هَدْمِ الكَعْبَةِ، كَمَا أَهْلَكَ أَصْحَابَ الفِيلِ كَذَا قِيلَ.

والوَاضِحُ أَنَّهُ لَمْ يَهْلكْ؛ لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ رَدَّها عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ولَمَّا أَهْلَكَ اللهُ أَصْحَابَ الفِيل نامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي الْحِجْرِ رأَى رُؤْيَا عَظِيمَةٌ وقَصَّهَا عَلَى كَهَنَةِ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجِنَّ مِنْ صُلبِكَ مَنْ يُومِنُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَيَكُونَنَّ فِي النَّاسِ عَلَمًا مُبِينًا، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تُسَمَّى فاطِمَة فَحَمَلَتْ فِي الْوَقْتِ بِعَبْدِ اللهِ (3).

ويُرْوَى أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ لَهَا طَرَفٌ فِي السَّماءِ وطَرَفٌ فِي الْأَرْضِ وطَرَفٌ فِي الْمَشْرِقِ وطَرَفٌ فِي الْمَغْرِبِ ثُمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلِّ

(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 97/ 1 - 98.

(2) (م، س)، 99/ 1 - 103.

(3) (م، س)، 106/ 1 - 107.

261