الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٣ما حَدَّثَتْ
وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ، وإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا فَقَصَّهَا، فعُبّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ يتَّبِعهُ أهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ويَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ والأَرْضِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُحَمَّد [ا]، مَعَ بِهِ أُمُّهُ مِنْ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا: إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيّدِ هذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَضَعْتِهِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا (1). [97] قال أبو الخيتَم (2): سَمِعْتُ أبا طالب يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ في الحِجْرِ إِذْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي فَفَزِعْتُ مِنْهَا فَزَعًا شَدِيدًا فَأَتَيْتُ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَة كَأَنَّ شَجَرَةً نَبَتَتْ. وفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: رَأَيْتُ نُورًا ثُمَّ صَارَ شَجَرَةً، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ. قَدْ نَالَ رَأْسُهَا السَّماءَ وضَرَبَتْ بِأَغْصَانِهَا الْمَشْرِقَ والْمَغْرِبَ،
ومَا رَأَيْتُ نُورًا أَزْهَرَ مِنْهَا، أَعْظَم مِنْ نُورِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ ضِعْفًا، ورَأَيْتُ العَرَبَ والْعَجَمَ لَهَا سَاجِدِينَ، وهِيَ تَزْدَادُ كُلَّ ساعَةٍ عِظَمًا وَنُورًا وَارْتِفَاعًا، سَاعَةً تَخْفَى وسَاعَةً تظهرُ، ورَأَيْتُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ تَعَلَّقُوا بِأَغْصَانِها، ورَأَيْتُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ يَرِيدُونَ قِطْعَهَا، فَإِذَا دَنَوْا مِنْهَا أَحْذَهُمْ شَابٌ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَجْهَا، وَلَا أَطْيَبَ رِيحًا فَيَكْسِرُ أَظْهُرَهُمْ ويَقْلِعُ أَعْيُنَهُمْ فَرَفَعْتُ يَدَيَّ لِأَتَنَاوَلَ منْهَا نَصِيبًا فَلَمْ أَنَك، فقُلْتُ لِمَن النَّصِيبُ؟ فَقَالَ: النَّصِيبُ لَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَعَلَّقوا بِهَا وسبقُوكَ فَانْتَبَهْتُ مَدْعُورًا فَرَأَيْتُ وَجْهَ الكَاهِنةِ قَدْ تَغَيَّرَ ثُمَّ قَالَتْ: لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لِيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يَمْلِكُ الْمَشْرِقَ والْمَغْرِبَ وتَدِينُ لهُ النَّاسُ فَقَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لأبي طالب: لَعَلَّكَ المَوْلُودُ. فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، والنَّبِي صلى الله عليه وسلم قَدْ خَرَجَ؛ أي: بُعِثَ، ويَقُولُ: كَانَتِ الشَّجَرَةُ واللهِ أَبَا الْقَاسِمِ الأَمِينَ، فيُقَالُ لَهُ أَلَا تُؤْمِنُ بِهِ؟
فيَقُولُ: السُّبَّة والعار (3)، أي: أخْشَى السَّبَّة أو تَمْنَعُنِي. وبُرُوكُ الفِيلِ: إِمَّا حُضُوعُهُ وإِمَّا سقوطُهُ لِلْأَرْضِ وإِمَّا لُزُومُ الأَرْضِ، وإِمَّا بُرُوكٌ حَقِيقٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الفِيلَ مِنْ نَوْعِ مِنَ الْفِيَلَةِ يَبْرُكُ. قالَ السُّهَيْلِي: سَمِعْتُ أَنَّ فِي الفِيلِ نَوْعًا يَبْرُلُ (4). وإِمَّا أَنَّ بُرُوكَهُ إِرْهَاصٌ لِلنَّبِيءِ أَوْ مُعْجِزَةٌ. ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وُجّه الفِيلُ إِلَى مَكَّةَ أَقْبَلَ نُفَيْل فَأَخَذَ بأُذُنِهِ فَقَالَ: ابْركُ مَحْمُود أَوِ ارْجِعْ رَاشِدًا فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللهِ الْحَرَامِ، فَبَرَكَ (5). ومَحْمُود: اسْمٌ لِذَلِكَ الفِيلِ وَكَانَ أَبْيَضَ أَعْظَمَ وهَلَكَت الفِيَلَةُ التِي جَاءَ بِهَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْجِعْ إِلَّا مَحْمُودًا لِرُجُوعِهِ وَمَجْمُوعُهُنَّ ثَلاثَةَ عَشَرَ أَوْ عَشَرَةٌ أَوْ أَلْفٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ أَوْ لَمْ يَجِئْ إِلَّا بِمَحْمُودٍ، أَقْوَالٌ (6).
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 11/ 2.
(2) أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجَهم، كما في رواية أبي نعيم، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي الخيثم عند الزرقاني.
(3) دلائل النبوة، أبو نعيم، حديث (51).
(4) الروض الأنف، السهيلي، 156/ 1. (5) سيرة ابن هشام، 52/ 1. (6) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 163/ 1.
262