الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٥63
64
65
66
وَأَصْبَحَ عَامُ الْفِيلِ مَحمُودِ الَّذِي وُلِدْتَ بِهِ الْمَحْمُودَ رَحْمَةَ رَحْمَن وَإِيوَانُ كِسْرَى باتَ بِالصَّدْعِ ذَا فَنَا كَمَا شَمْلُ كِسْرَى اشْتَتَ مِنْ بَعْدِ إِيوَانِ وَسَاوَةُ قَدْ سِيئَتْ بِغَيْضٍ بُحَيْرَةِ وَقَدْ خَمَدَتْ لِلْفُرْس نَارٌ كَصُلْبَانِ كَمَا صُرِفَ الشَّيْطَانُ عَنْ خَبَرِ السَّمَا وَأَوْلَادُهُ بَعْدَ اسْتِرَاقِ لِشَيْطَانِ وأُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ لَمْ تَلْقَ فِي حَمْلِهَا بِهِ الله وَجَعَا كَمَا تَلْقَاهُ الْحُبالَى. وقَدْ أَمِنَتْ مِنْ كُلِّ ظُلْمٍ بإِعْلَامٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَنْ لَا تَخَافِي مِنْ ضُرِ إِنْسِ وَلَا جِنِّ. وقَالَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ لِلْأُنسِ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ: لِتَسْتَأْنِسَ ولَا تَسْتَوْحِشَ: يَا آمِنَةُ أَبْشِرِي بِحَمْلِ رَسُولِ اللهِ فَائِقِ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي الْأَمْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ إِذْ كُلُّ نَبِيءٍ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي وَهُوَ يَقُولُ: أُمَّتِي
أُمَّتِي، وفي الدُّنْيَا حِينَ قَالَ اللهُ لهُ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (1). وعل وقَدْ أَبْصَرَتْ نُورًا أَضَاءَ لَهَا بِهِ حين وَلَدَتْهُ قُرَى بُصرى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وهِيَ فِي مَكَّةَ، لِتَراهَا عَيْنَانِ عَظِيمَتَانِ وهُمَا عَيْنَا آمِنَةَ. فَمَعْنَى "تَنَوَّر" بالبِنَاءِ للفاعِلِ: تُبْصِرُ.
" وُلِدْتَ": بِالْبِنَاءِ الْمَفْعُولِ وفَتْحِ التَّاءِ يَا رَسُولَ اللهِ حَالَ كَوْنِكَ سَعِيدًا، رَافِعَ الرَّأْسِ إِلَى السَّمَاءِ، وَاضِعًا يَدَيْكَ فِي الْأَرْضِ، بِسَبَبِ أَنَّكَ عَظَّمْتَ اللهَ بِجَسَدِكَ فِي ذَلِكَ الرَّفْعِ وفِي ذَلِكَ الْوَضْعِ، فَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ دِينِي شَبِيةٌ بِالْمَطَرِ النَّافِعِ حَصَلَ.
وأثبتَ لِمَنْ شَأْنُهُ التَّقَى عِنْدَ اللهِ، مَنَازِلَ خَيْرٍ تُشْبِهُ مَنَازِلَ الْحَرْثِ والرَّبيع وهِيَ التَّقْوَى. وفِي ذِكْرِ الربيع تلوِيحُ إِلَى زَمَانِ وَلَادَتِهِ، وهُوَ رَبيع الْأَوَّلُ. ويَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسَ رَبِيعِ الْأَوَّل ثَوَابُها (2) قَرِيبٌ مُصَاحِبٌ لِأَهْلِها بالتَّوفِيقِ والْإِثْبَاتِ فِي الصَّحَائِفِ. والْخَيْرُ الدُّنْيَوِيّ أَيْضًا تَشْبِيهُ [98] ثِمَارِ شَجَرٍ فِي مَاءٍ، ثِمَارُهَا طَابَتْ وقَرَبَتْ لِجِهَةِ الْأَرْضِ لِمَنْ لَهُ أَخْذُهَا. وأَصْبَحَ الْعَامُ الْمُسَمَّى عَامِ الْفِيلِ الْمُسَمَّى مَحْمُودٌ الذِي وُلِدْتَ فِيهِ هُوَ الْمَحْمُودِ وَرَحْمَةِ رَحْمَنٍ
عَظِيمٍ، هُوَ اللهُ جَلَّ وعلا.
وبُنْيَانُ كسْرَى الْمُصْطَفُ الْمَعْدُودُ عِنْدَهُ لِلتَّشَاوُرِ وإِبْرَازِ الرَّأْيِ، انْشَقَّ كَمَا تَشَتَّتَ شَمْلُ أَصْحَابِهِ
بَعْدَ تَشَقُّقِ الإِيوَانِ.
وأهل ساوة سَاءَهَا ذَهَابُ مَاءٍ بُحَيْرَتِها، وحَمَدَتْ نَارُ الفُرس الْمَعْبُودَةُ لَهُمْ، وَقَدِ اجْتَهَدُوا إِيقَادِهَا، حُمُودًا شَبِيهَا بِانْتِكَاسِ الصَّلبَانِ، فِي كُلِّ مَوْضِعِ هِيَ فِيهِ. كَمَا صُرِفُ إِبْلِيسُ وَأَوْلَادُهُ عَن اسْتِرَاقِ
السَّمْعِ بالشُّهُبِ.
(1) سورة المائدة: 67. (2) الهاء تعود إلى "التقوى".
264