الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٨وهُوَ وَاجِبٌ في حَقِّ الرِّجَالِ مُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ (1).
وأَمَّا حديثُ أَسامَةَ عَنْهُ: ((الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ)) (2) فمعناهُ سُنَّةُ الوُجُوبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ خِتَانَ النِّسَاءِ أَيْضًا سُنَّةٌ، أَيْ: غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَلَوْلَا وجُوبُهُ فِي الرَّجُلِ لَمْ يَحُصَّهُ فِيهِ بِالسُّنَّةِ، ويَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ (3) والأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَمَنْ يَقُلْ إِنَّ الخِتَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ طُولِبَ بِالدَّلِيلِ.
وقَوْلُهُ لا لِرَجُلٍ أَسْلَمَ: ((أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الكُفْرِ وَاخْتَتِنْ)) (4) وإلقَاءُ الشَّعْرِ قَامَ الدَّليلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبهِ، ولَمْ يَقُمْ عَلَى الْخِتَانِ مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ شَعْرَ الْكُفْرِ مَا يُوجِبُ الإِسْلَامُ قطَّعَهُ كالشَّارِبِ والإِبِطِ والْعَوْرَةِ. وأَمَّا كَوْنُ القُلْفَةِ تَحْبِسُ النَّجَسَ وتَمْنَعُ الصَّلاةَ فكذَلِكَ يدلُّ، لَكِنْ يَقُولُ الْخَصْمُ هَذِهِ دَعْوَاكُمْ. وقَالَ مَالِك وأبُو حَنِيفَةَ وبَعْضُ الشَّافِعِيَّة بِعَدَمِ وجُوبِهِ. وبالوُجُوبِ قُلْنَا نَحْنُ وسحنون وجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ. وحِكْمَةُ الخِتَانِ أَنَّ الإِسْلَامَ وَسَطْ لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ فَإِنَّ الْحَشَفَةَ قَوِيَّةُ الْحِسِ، فَمَا دَامَتْ مَسْتُورَةٌ بالقلفَة تَقْوَى اللَّذَّةُ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ، فَإِذَا قُطِعَت القلفَةُ تَصَلَّبَت الحَشَفَةُ فَضَعُفَت اللَّذَّةُ، فَهِيَ لذَّةٌ بَيْنَ عَدَمِهَا أَلْبَيَّة، كما يَقْطَعُ بَعْضُ النَّاسِ قضِيبَهُمْ أو يَعْمَلُونَ الأَدْوِيَةَ حَتَّى تَكُونَ الْمَرْأَةُ عِنْدَهُمْ كالْحَجَرِ كَمَا تَفْعَلُ الْمَانَوِيَّة (5) (6)، وبَيْنَ لَذَّةٍ قَوِيَّة جِدًّا بِإِبْقَاءِ الْقُلْفَة. والْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ وقائِمِ الْيَتِيمِ خَتْنُ الصَّبِيِّ قَبْلَ البُلُوغ، وبهِ قالَ بَعْضُ الشّافعيّة. وقال جُمْهُورُهُم: إِنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ البلوغ، كما رَوَى البُخَارِي: أَنه سُئِلَ ابْنُ عَبَّاس مِثْلُ [102] مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ فقَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ)) (7). قُلْنَا: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْإِدْرَاكِ الْقُوَّةَ، أَو الْمُرَاهَقَة لَا نَفْسُ الْبُلُوغ. واخْتُلِفَ في عامِ وَلَادَتِهِ الأَكْثَرُ أَنَّه عام الفِيلِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبَّاسِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَكَى الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وقالَ: كُلُّ قَوْلٍ يُخَالِفُهُ وَهم والْمَشْهُورُ أَنَّه وُلِدَ بَعْدَ الفِيلِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 136/ 1، بتصرف.
(2) مسند أحمد حديث (20719). (3) سورة النحل: 123.
(4) سنن أبي داود، حديث (356).
(5) المانوية: أشهر العقائد وأكثرها اتباعا في بلاد فارس بعد عقيدة زرادشت نسبة إلى ماني بن فاتك، الفيلسوف الفارسي الذي ولد عام 215 م. ظهر في زمان سابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى ابن مريم عليه السلام. أحدث دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح عليه السلام، ولا يقول بنبوة موسى عليه السلام الملل والنحل، الشهرستاني 49/ 2، وموسوعة الأديان، سعدون محمد الساموك،
94/ 1
(6) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، 261/ 20.
(7) صحيح البخاري، حديث (6299).
277