الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٩السُّهَيْلي وجماعَةٌ وقِيلَ بَعْدَهُ بِخَمْسٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: بِشَهْرٍ، وقِيلَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: بَعْدَ الفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وقِيلَ: قَبْلَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة، والْمَشْهُورُ أَنَّهُ بعْدَ الْفِيلِ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ الفِيلِ تَوْطِئَةٌ لنبوءته وتقدمه لظُهُورِهِ وبَعْثِهِ، وإِلَّا فَأَصْحَابُ الفِيلِ كانُوا نَصَارَى أَهْلَ كِتَابٍ، وَكَانَ دِينُهُمْ خَيْرًا مِنْ دِينِ أَهْلِ مَكَّةَ إِذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عُبَّاد أَوْثَانٍ، فَنَصَرَهُمُ اللهُ علَى أَهْلِ الْكِتَابِ نَصْرًا لَا صُنْعَ فِيهِ لِلْبَشَرِ، إِرْهَاصًا لِلنَّبي الله الذِي خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، وتعظيمًا لِلبَلَدِ الْحَرَامِ (1).
واخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الشَّهْرِ الذِي وُلِدَ فيه والْمَشْهُورُ أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ. ونَقَلَ ابنُ الْجَوْزِي الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: فِي صَفَر، وقِيلَ: فِي رَبيع الثَّانِي، وقِيلَ: فِي رَجَب، ولَا يَصِحُ، وقِيلَ: فِي رَمَضَانَ وهُوَ مَرْوِيٌّ عَن ابْنِ عُمَر بِسَنَدٍ لَا يَصِحُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَنْ قَالَ: حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: فِي عَاشوراء (2). وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَقِيلَ: غَيْرُ مُعَيَّنٍ، إِنَّمَا وُلِدَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ مِنْ رَبِيعِ الأوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِين، والْجَمْهُورُ عَلَى التَّعْيِينِ، فَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ مَضَنَا مِنْهُ، وقِيلَ: لِثَمَانٍ مَضِينَ مِنْهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ونُقِلَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ وجبير بن مطعم، وهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِهَذَا الشَّأْنِ، واخْتَارَهُ الحميدي (3) وشَيْحُهُ ابْنُ حَزْم. ويقَالُ: أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الزِّيج (4). ورَوَاهُ الزّهريّ عَنْ محمّد بن جبير بن مطعم وكَانَ عَارِفًا بِالنَّسَبِ وأَيَّامِ الْعَرَبِ، أَخَذ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ جبير) وأَهْلُ الرِّيحِ: أَهْلُ الْمِيقَاتِ. والرِّيجُ لُغَةٌ: خَيْطُ البَنَّاء، وجُعِلَ عَلَمَّا لِعِلْمِ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَوِّلُونَ علَى الْخَيْطِ فِي أَخْذِ اسْتِوَاءِ أَخْذِ اسْتِوَاءِ النُّجُومِ. وقيل: لِعَشْرِ وقِيلَ: لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ عَمَلُ أَهْلِ مَكّةَ فِي زِيَارَتِهِم مَوْضِعَ مَولِدِهِ فيه. وَقِيلَ: لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: لِثَمَانَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ وقِيلَ: هَذَانِ القَوْلَانِ غَيْرُ صَحِيحَيْنِ
(5)
عمَّنْ حُكِيَا عَنْهُ، والْمَشْهُورُ أَنَّه وُلِدَ ثَانِي عشَرَ مِنْ رَبيع الْأَوَّلِ، وهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاق وَغَيْرِهِ. وَإِنَّمَا كانَ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، ولَمْ يَكُنْ فِي رَمَضَانَ ولَا فِي الْمُحَرَّمِ وَلَا فِي رَجَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهورِ ذَوَاتِ الشَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَا يَتَشَرَّفُ بِالزَّمَانِ، وإِنَّمَا الزَّمَانُ يَتَشَرَّفُ بِهِ كَالأَمَاكِنِ، فَلَوْ وُلِدَ
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 139/ 1 - 140 بتصرف. (2) (م، س)، 140/ 1 بتصرف.
(3) محمد بن فتوح بن عبد الله الأزدي الحميدي الميورقي، محدث أصولي مؤرّخ، سمـ من ابن عبد البَرِّ وابن حزم الظاهِرِي ورحل إلى المشرق، توفي ببغداد سنة 488 هـ، من تصانيفه: جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس، تسهيل السَّبِيلِ إلى علم التَّرْسِيل. سير أعلام النبلاء، الذهبي،، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 583/ 3.
120/ 19
(4) الزيج خيط البَنَّاء وهو المِطْمَر، فارِسِي معرَّب. لسان العرب (زيج).
(5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 140/ 1 - 141.
278