الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٠فِي شَهْرٍ مَشْهُورٍ بِالشَّرَفِ لَتُوُهِمَ أَنَّهُ تَشَرَّفَ [102] (1) بهِ. فَجَعَلَ اللهُ مَوْلِدَهُ فِي غَيْرِهَا لَتَظْهَرَ عِنَايَتُهُ بِه وكَرَامَتُهُ عَلَيْهِ، وإِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمعَةِ الذِي خُلِقَ فِيهِ آدَمُ العلي خص بسَاعَةٍ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يسْأَلُ اللهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعطَاهُ إيَّاهُ، فَمَا بَالُكَ بِالسَّاعةِ التي وُلِدَ فِيهَا سَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَلَمْ يَجْعَل الله تعَالَى فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ، يَوْم مولِدِهِ اللَ مِنَ التَّكْلِيفِ بالعِبادَاتِ مَا جَعَلَ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ المَخْلُوقُ فِيهِ الْجُمُعَةِ والْخُطْبَة وغَيْر ذلِكَ إِكْرَامًا لِنبيئهِ الله له بالتَّخْفِيفِ عن أُمَّتِهِ بِسَبَبٍ عنايَةِ (2) وجُودِهِ. قال
آدَمُ مِن
(107
الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ) (3) ومِنْ جُمْلَةِ الرَّحْمَةِ بِهِ عَدَمُ التَّكْلِيفِ بِأَمْرٍ) زَائِدٍ على سائِرِ الأَيَّامِ. فعَنْ قتادة الأنصاري أَنَّه سُئِلَ رَسُولُ اللهِ الله عنْ صِيَامِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ فَقالَ: ((ذَلِكَ يَوْمٍ وُلِدْتُ فِيهِ وأُنْزِلَتْ علَيَّ فِيهِ النُّبُوءَةُ) () وهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ نَهَارًا (5).
وعَن ابْنِ عَبَّاس: وُلِدَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ واسْتُنْبِى يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، ودَخَلَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، ووَضَعَ الْحَجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ (6). رَفَعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَوَضَعَهُ مَحَلِّهِ مِنَ الرُّكْنِ حِينَ بَنَتْهُ قُرَيْشُ (7). وكذَا قِيل حمل يَوْمَ الاثْنَيْنِ. وفَتَحَ مَكَّةَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ، ونَزَلَتْ سورَةُ الْمَائِدَةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ (8).
في
فنَادَاهُ
ورُوِيَ أَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. فَعِنْدَ (9) عبد الله بن عمرو بن العاصي كان يمرّ الظهران رَاهِبٌ يُسَمَّى عيصى، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. وكانَ يقُولُ: يُوشِكُ أَنْ يُولَدَ فِيكُمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَوْلُود تَدِينُ لهُ الْعَرَبُ، أَيْ: تَخْضَعُ (10)، ويمْلِك العَجَم هذَا زَمَانُهُ، وَكَانَ لَا يُولَدُ بِمَكَّةَ مَوْلُودٌ إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ. فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَة الْيَوْمِ الذِي وُلِدَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ الهلال، خَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى عيصى، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: عيصى كُنْ أَبَاهُ، أَي اعْتَقِدْ أَنَّكَ أَبُوهُ، فَقَدْ
ولِدَ ذَلِكَ الْمَوْلُودُ الذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم عَنْهُ يَوْمَ الاثْنَيْن، ويُبْعَثُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَمُوتُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ. قَالَ: وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَعَ الصُّبح مَوْلُودٌ، قالَ: فَمَا سَمَّيْتَهُ؟ قالَ: مُحَمَّد، قال: واللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَوْلُودُ فِيكُمْ أَهْلَ
(1) على الهامش: من أوله إلى هنا عشر كراريس عارية عند عمنا الحاج أحمد بن صالح بن عمر يرجعون لمالكه محمد بن إبراهيم كله.
(2) في المواهب اللدنية: غاية.
(3) سورة الأنبياء: 107.
(4) ورد بمعناه في صحيح مسلم، حديث (1162).
(5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 142/ 1 - 143. (6) (م، س)، 143/ 1.
(7) عبارة "رفعه … قريش" أضافها المؤلّف على الهامش.
(8) المواهب اللدنية، القسطلاني، 143/ 1.
(9) خطأ صواب: فعن.
(10) أي: تخضعُ، من كلام المؤلّفِ.
279