الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٢سَنَةٌ بِالْهِلَالِ، وأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثلاث وسِتِّينَ وأَرْبَع مئَةٍ وأَرْبَعَةِ آلافٍ سَنَةٍ مِنْ مَهْبِطِ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ. وقِيلَ: وُلِدَ لَيْلًا فَعَنْ عَائِشَةَ: كَانَ بِمَكَّةَ يَهُودِيُّ يَتَّجِرُ فِيهَا فَلَمَّا كَانَت اللَّيلَةُ التِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ الله لا قالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْش هلْ وُلِدَ فيكُم اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُهُ، قَالَ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ نَبِيءُ هَذِهِ الأُمَّةِ الأَخِيرَةِ بَيْنَ كَتْفَيْهِ عَلَامَةٌ فِيهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَاتِرَاتٌ كَأَنَّهُنَّ عَرْفُ فَرَسٍ. فَخَرِجُوا بِالْيَهُودِيِّ حَتَّى أَدْخَلُوهُ عَلَى أُمِّهِ فقالُوا: أَخْرجي لنَا ابْنَكِ، فَأَخْرَجَتْهُ وَكشَفُوا عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى تِلْكَ الشَّامَةَ، فَوَقَعَ مَغْشِيًّا عليْهِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قالُوا: مَالَكَ وَيْلَكَ؟ قَالَ: ذَهَبَتْ واللهِ النُّبُوءَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (1). والصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ نَهَارًا، وَعُورِضَ بِمَا مَرَّ مِنْ تَدَلّي النُّجُومِ، وأُجِيبَ بِصُلُوحٍ ظُهُورِهَا وتَدَلِّيهَا نَهارًا؛ لأَنَّ زَمَانَ النُّبُوءَةِ صَالِحُ لِلْخَوَارِقِ (2). وأَيْضًا يُقالُ: وُلِدَ بَعْدَ الْفَجْرِ، والوَقْتُ فَجْرٌ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَفِيهِ بَقِيَّةُ النُّجُومِ. أَوْ سُمِّيَ لِجِوَارِ اللَّيْلِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنَ النَّهَارِ، وعَلَى أَنَّهُ وُلِدَ لَيْلًا فَلَيْلَةُ الْمَوْلِدِ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّها لَيْلَةُ ظُهُورِهِ. ولَيْلَةُ القَدْرِ مُعْطَاةٌ لهُ ومَا شَرفَ بِظُهُورِ ذاتِ الْمُشَّرَفِ مِنْ أَجْلِهِ أَشْرَفُ مِمَّا تَشَرَّفَ بِسَبَبٍ مَا أُعْطِيَهُ، ولا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ. ولأَنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ شَرُفَتْ بِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا، وَلَيْلَةُ الْمَوْلِدِ شَرْفَتْ بِظُهُورِه له فيها والنَّبي ء ا ل لا أَفْضَلُ مِنَ المَلَائِكَةِ عَلَى الْأَصَحِ، وَلِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وقَعَ التَّفَضُلُ فيها على أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَلَيْلَةُ الْمَوْلِدِ الشَّرِيفِ وَقَعَ التَّفَضُلُ فِيهَا عَلَى سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ فَهِيَ أَعَمُ نَفْعًا (3). قلْنَا: لَيْلَةُ القَدْرِ متجَدِّدَةٌ كُلَّ سَنةٍ، وجَاءَ تَفْضِيلُهَا عَلَى اللَّيَالِي بَعْدَ حَصُولِ لَيْلَةِ الْمَوْلِدِ، فَلَيْلَتُهُ دَاخِلَةٌ فِيمَا فَضَلَتْ عَلَيْهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
ومَوْلِدُهُ ربيع لِلْقُلُوبِ، كمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: "فَيَا لِرَبيع" قال قَائِلٌ: يَقُولُ لَنَا لِسَانُ الْحَالِ مِنْهُ وَقَوْلُ الْحَقِّ يَعْذُبُ لِلسَّمِيعِ
فَوَجْهِي وَالزَّمَانُ وَشَهْرُ وَضْعِي ربيع في ربيع في ربيع 4
لَيْلًا
وولده الله في الدَّارِ التي كَانَتْ لِمحمّد بن يوسف، أخِي الْحَجَّاج. وقِيلَ: فِي شِعْبِ أَبِي طَالِب، وقيل: بالرّدم، وقيل: بعسفان (5). وصَوَّبَ بعضُ أَنَّهُ وُلِدَ في الشَّعبِ، والمشْهُورُ أَنَّهُ بِالْمَسْجِدِ الْمَشْهُورِ الآن بالمولد، وهُوَ الدَّارُ المذكورة.
والقَوْلُ بِأَنَّهُ وُلِدَ بعسفان شاةٌ لا مُعَوَّل عَلَيْهِ؛ فَمِمَّا نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ وُلِدَ بمَكَّةَ ودُفِنَ بِالْمَدِينَةِ.
(1) المستدرك، الحاكم، حديث (4177).
(2) المواهب اللدنية، القسطلاني، 145/ 1، عن بدر الدين الزركشي بتصرف.
(3) المواهب اللدنية، القسطلاني، 145/ 1، بتصرف.
(4) البيتان من الوافر المواهب اللدنية، القسطلاني، 146/ 1، لم يذكر أنها لشاعر، وكأنه هو القائل.
(5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 146/ 1.
281