إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٨٣

قال بَعْضُ شُرَّاحِ الْهَمْزِيَّةِ: صَرَّحَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، يَعْنِي الشَّافِعِيَّة، إِنَّ أَوَّلَ وَاجِبِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ أَن يُعلِّموا صِبْيَانَهُم أَنَّ نَبِيئَنَا مُحَمَّدًا الله وَلِدَ بمَكَّةَ ودُفِنَ بِالْمَدِينَةِ (1). بلْ إِنْكَارُ ذَلِكَ كُفْرٌ لاستِلْزَامِهِ إِنْكَارَ وُجودِ النَّبِيء.

وَلمَّا وُلِدَ النَّبِيءُ هَتَفَ هَاتِفٌ على الحجون (2):

فَأُقْسِمُ مَا أُنْثَى مِنَ النَّاسِ أَنْجَبَتْ وَلَا وَلَدَتْ أُنْثَى مِنَ النَّاسِ وَاحِدَه

كَمَا وَلَدَتْ [103 ظ] زهْرِيَّةٌ ذَاتُ مَفْخَر مُجنِّبَة لَوْمَ الْقَبَائِلِ مَاجِدَه (3) يَعْنِي آمِنَة بِنْتَ وَهْبٍ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ زُهْرَةَ بن كلاب بن مُرَّة. وهِيَ تَلْتَقِي مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ جِهَةِ آبَائِهَا فِي كلاب. وكانَ وَهْبٌ سَيِّدَ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وَشَرَفًا. وأُمُّ آمِنَةَ مرة بنت عبد العزَّى بنِ قُصَيِّ بنِ عَبْدِ الدَّارِ بنِ قُصَي بن كلاب. وولد فِي رَبيع لأَنَّهُ أعْدَلُ الفُصُولِ، لَيْلُهُ ونَهَارُهُ مُعْتَدِلَانِ بَيْنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، ونسِيمُهُ مُعْتَدِلٌ بَيْنَ الرُّطُوبَةِ والْيُبُوسَةِ وشَمْسُهُ مُعْتَدِلَةٌ فِي الْعُلُوّ والْهُبُوطِ، وهُوَ زَمَانُ انْشِقَاقِ الأَرْضِ بِالنَّبَاتِ، والشَّجَرِ بالنّوارِ، كَمَا أَنَّهُ مَنْبَعُ أَنْوَارِ الدِّين.

وإِذَا قُلْنَا: وُلِدَ لا لا لا نهَارًا فالظَّاهِرُ أنَّ وَقْتَ ولادَتِهِ أَفْضَلُ مِنْ وَقْتِ بَعْثِهِ؛ لِأَنَّ وِلَادَتَهُ نِعْمَةٌ عَلَى الْعَالَمِينَ، وبَعْتُهُ مُتَرَتِّبْ عَلَيْهِ، فالْوُجُودُ أَصْل والبِعْثَةُ طارِئَةٌ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقَالُ: وَقْتُ بِعْتَتِهِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالذَّاتِ إِثْبَاتُ شَرِيعَةِ التَّوْحِيدِ وَمَا يَتْبَعُهُ.

وهَلْ مَوْضِعُ ولادَتِهِ أَفْضَلُ مِنْ مَدْفَنِهِ؟ الجوَابُ أَنَّ مَدْفَنَهُ أَفْضَلُ لِتَبَيُّنِهِ بِلَا خِلافٍ فِيهِ، وَلِلْاتِّفَاقِ على تأكيدِ زِيَارَتِهِ، ولَا اتّفاقَ على تأكيدِ زِيَارَةِ مَوْضِعِ وِلَادَتِهِ، ولا حيفَ فِيمَنْ لَمْ يَزُرْهُ بِخِلَافِ مَنْ حَجَّ

ولَمْ يَزُرْ قَبْرَهُ بَلْ هُوَ فِيهِ حَيٌّ، وَلَا اتِّفَاقَ عَلَى تَعْيِينِ مَوْضِعِ وُلِدَ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ الْخِلَافُ فِيهِ. ومِنَ الأَقْوالِ فِيهِ: أَنَّهُ وُلِدَ بِدَارِ محمّد بن يوسف، أخي الْحَجَّاج، بزقاق المدكك، وكانت قَبْلُ فِي يَدِ عقيل بنِ أَبِي طَالِب (4).

قِيلَ: إِنَّ النَّبيء لا لا له وَهَبَهَا لَهُ، فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَبَاعَهَا وَلَدُهُ مِنْ محمّد بن يوسف، وقِيلَ: إِنَّ عقيلا باعَهَا بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهِجْرَةِ عَلَى تَبَعًا لِقُرَيْشَ حِينَ بَاعُوا دُورَ الْمُهَاجِرِينَ (5).

(1) ربما هو "المنح المكية في شرح الهمزية المسمى أفضل القرى لقراء أم القرى. لم أقف على المطبوع.

(2) الحجون: الحجن الاعوجاج، ومنه غزوة حجون التي يظهر الغازي الغزو إلى موضع ثم يخالف إلى غيره، وقيل: هي البعيدة. والحجون: جبل

بأعلى مكة عنده مدافن أهلها. وقيل غير ذلك. معجم البلدان، 225/ 2.

(3) البيتان من الطويل، هواتف الجنان، ابن أبي الدنيا، ص 60. (4) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 257/ 1.

(5) (م، س)، 257/ 1، نقلا عن ابن الأثير دون ذكر المصدر.

282