الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٥وَسِرُّ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ الإِشَارَةُ إِلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِهِمْ يَتَمَلَكُونَ فَيَنْقَطِعُ الْمُلْكُ عَنْهُمْ. فَمَلَكَ عَشَرَةٌ فِي أَرْبَعَ سِنِينَ وأَرْبَعَةٌ إِلَى زَمَانِ عُثْمَانَ، فُتِحَ فِي زَمَانِ عُمَر له إِقْلِيمُ فارس، وكسِرَ كِسْرَى
وأُهِينَ غايَةَ الْإِهانَةِ وتَقَهْقَرَ إِلى أَقْصَى مَمْلَكَتِهِ ثُمَّ قُتِلَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ وَزَالَ مُلْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. قالَ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَأَمْوَالُهُ وَكُنُوزُهُ تُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللهِ)) (1) فَانْقَطَعَ مُلْكُهُ وزالَ مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، وتَمَزَّقَ مُلْكُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم دَعَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَمَّا جَاءَهُ كِتابَهُ فَمَزَّقَهُ. وقد بَشَّرَ أُمَّتَهُ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ بِمُلْك بلادِهِ، وقَالَ السراقة، وَكَانَ مِنْ فُقَرَاءِ أَصْحَابهِ: كَيْفَ بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَي كِسْرَى)) (2) فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمَا عُمَرُ أَلْبَسَهُما إِيَّاهُ إِظْهَارًا لِّلْمُعْجِزَةِ، وذَلِكَ عُذْرٌ مُبِيحٌ، وقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الذِي الْبَسَهُمَا كِسْرَى وأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَة (3). ولَمَّا رَأَى كِسْرَى مَا وَقَعَ بِإِيوانِهِ ورَأَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ الموبذان طَلَبَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ حَدَثُ
يكُونُ مِنْ نَاحِيَةِ الْعَرَبِ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ عبرها سطيح وشقٌ عَلَى حَدٍ مَا مَرَّ. وَرُوِي أَنَّ كِسْرَى أَرْسَلَ إِلَى النُّعْمَانِ بنِ الْمُنْذِرِ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ أَعْلَمَ مَنْ فِي أَرْضِهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ الْمَسِيحِ بنَ عَمْرو الغَسَّانِي، فَدَلَّهُمْ عَلَى خَالِهِ سطيح بالشَّامِ، فَأَمَرَهُ كِسْرَى
بِالذَّهَابِ إِلَيْهِ. وحَمدَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كُلُّ نَارٍ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْفُرْسِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ النَّارَ ويَشْتَدُّ إيقادُهُمْ، حَتَّى إِنَّ لَهَا أَلْفَ سَنَةٍ لَمْ تَحْمُدْ. وَالفُرْسُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ، شَمَالَ العراق، مِنَ الْفِرَاسَةِ بِالْفَتْحِ؛ وهِيَ الشَّجَاعَةُ. لمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللهِ غَارَتْ عُيُونٌ لَهُمْ. ومَعْنَى أَنُو شِرْوَانَ مُجَدِّدُ الْمُلْكِ. وقِيلَ فِيهِ: إِنَّ كِسْرَى مُعَرَّب خسر، وقِيلَ فِي سطيح إِنَّهُ عاشَ
مِئَةِ عامٍ وأَدْرَكَ الإِسْلَامَ ولَمْ يُسْلِمُ، ورُوِيَ أَنَّهُ هَلَكَ عِندَمَا وُلِدَ النَّبِيءُ. وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ [104 ظ] أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ سطيحا لَحْمًا عَلَى وَضَم (4)، يُحْمَلُ فَيُؤْتَى بِهِ حَيْثُ شَاءَ وَلَا عَصَبَ فِيهِ ولَا عَظْمَ إِلَّا الْجُمجُمَة والعُنُق والكَفَّيْن وكَانَ يُطْوَى مِنْ تَرْقُوَتِهِ كَمَا يُطْوَى الثَّوْبُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ إِلَّا لِسَانُهُ (5) وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالسَّجْع.
ويُقَالُ عَيْنُ ساوَةً، وبُحَيْرَةُ طبرية، وسَاوَةُ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ، وطُولُ تِلْكَ الْعَيْنِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وعُرْضُهَا
(1) ورد بلفظ: ((إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) صحيح
البخاري، حديث (6629).
(2) لم أقف عليه، ينظر: جامع الأصول، 435/ 12.
(3) القصة في المواهب اللدنية، القسطلاني، 561/ 3، وغيره.
(4) الوَضَم كلُّ شيء يوضع عليه اللحم. لسان العرب (وضم). (5) تاريخ الخميس، الديار بكري، 201/ 1.
284