الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٦كَذَلِكَ كَانَتْ تُحِيلُ العَادَةُ أَنْ يَغِيضَ ماؤُهَا لِكَثْرَتِهِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَنَّ أَعْظَمَ الْحَوَادِثِ عِنْدَ مَوْلِدِ النَّبِيء الا انشِقَاقُ إِيوَانِ كَسْرَى، ثُمَّ بَقَاؤُهُ كَذَلِكَ إِلَى زمَانِنا، يَعْنِي عَامَ سِتٍ وأَرْبَعِينَ وسَبْعِمِئَةٍ (1)، ثمَّ اللهُ أَعْلَمُ إِلَى أَيِّ زَمَانٍ يَبْقَى (2).
قالَ مَحْرُومُ بنُ هَانِى الْمَحْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ، وكانَتْ لَهُ مِئَةٌ وخَمْسُونَ سَنَةً: لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ارْتَجَسَ إِيوانُ كِسْرَى أَنُو شِرْوَانَ، فَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً، وَكَانتْ لَهُ اثْنَتَانِ وعِشْرُونَ شُرفَةٌ، وانْشَقَّ بِحَيْثُ سُمِع صَوْتُهُ، وبقي كذلكَ آيةً وحَمدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تَحْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ سَنَةٍ، وغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةً، وهِيَ بَيْنَ هَمَدَانَ وقُم. وكانَتْ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ فَرَاسِخَ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ. وَكَانَ يُعْبُرُ عَنْهَا بِالسَّفِينَةِ، وبَقِيَتْ كَذَلِكَ نَاشِفَةٌ يَابِسَةً عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، حَتَّى بُنِيَتْ مَوْضِعَهَا مَدِينَةُ سَاوَة الْبَاقِيَةُ الْيَوْمَ (3)، يَعْنِي عَامَ سِتَّةٍ وأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِئَةٍ.
ورأَى الْمُوبذان كَأَنَّ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عرابًا، حَتَّى عَبَرَتْ دجلة وانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِ فَارِسَ، فلَمَّا أَصْبَحَ تجلد (4) كسرى وجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، وَلَبِسَ تَاجَهُ وأَرْسَلَ إِلَى مُوبذان فَقَالَ: يَا موبذان إِنَّهُ سَقَطَ مِنْ إِيوانِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً وحَمدَتْ نارُ فارِسَ ولَمْ تَحْمُدْ قَبْلَ الْيَوْمِ بِأَلْفِ سَنَةٍ. قَالَ الموبذان: وأَنَا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَدْ رَأَيْتُ كأَنَّ إِبلا صعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عرَابًا حَتَّى عَبَرَتْ دَجْلَة وانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِ فَارِسَ. قالَ: فَمَا تَرَى ذَلِكَ يَا موبذان؟ وكانَ موبذان أعْلَمَهُمْ، قال: حَدَثٌ يكونُ مِنْ جَانِبِ الْعَرَبِ، فَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى النُّعْمَانِ أَن ابْعَثْ إِلَيَّ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ يُخْبِرُني عَمَّا أَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عبد المسيح بن حيان بن عمرو الغساني، قِيلَ: كانَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِ مِئَةٍ، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ هَلْ عِنْدكَ عِلْمٌ بِمَا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: يَسْأَلْنِي الْمَلِكُ فَإِنْ كَانَ عِنْدِي عِلْمٌ أَعْلَمْتُهُ، وَإِلَّا أَعْلَمْتُهُ بِمَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: عِلْمُهُ عِندَ خَالٍ لِي، يَسْكُنُ مشَارِفَ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ سَطِيح (5). واسْمُهُ رَبِيعُ بْنُ رَبِيعَةَ بنِ مَازِن بنِ مَسْعُود بنِ ذِثْب بنِ عَدِيِّ بنِ مَازِن بنِ غَسَّانَ (6). ويُقَالُ:
سَطِيح الْغَسَّانِي كَاهِنُ بني ذتَّب، لَمْ يَكُنْ كَاهِنُ مِثْلُهُ مِنْ بَنِي آدَمَ (7).
قِيلَ: لَا عَظْمَ فِيهِ ولَا عَصَبَ قِيلَ: لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَاءٍ امْرَأَتَيْنِ، ووَجْهُهُ فِي [105] صَدْرِهِ،
(1) ينقل صاحِبُ تاريخ الخميس عن الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الزرندي في كتاب الأعلام ت: 747 هـ. ينظر ترجمته: معجم
المؤلفين، 781/ 3.
(2) تاريخ الخميس، الديار بكري، 200/ 1.
(3) (م، س)، 200/ 1 - 201.
(4) في الأصل تحلد، والتصحيح من تاريخ الخميس، ومعناه: أظهر الجلد.
(5) تاريخ الخميس، الديار بكري، 201/ 1.
(6) سيرة ابن هشام، 15/ 1.
(7) تاريخ الخميس، الديار بكري، 201/ 1.
285