الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٩وقد انْشَقَّ عَنْهُ الْقِدْرُ، وهُوَ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ (1).
ورُوِيَ أَنَّها لَمَّا وَلَدَتْهُ أَرْسَلَتْ إِلَى عَبدِ الْمُطَّلِبِ، وجَاءَهُ الْبَشِيرُ وهُوَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ مَعهُ وَلَدُهُ ورِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ آمِنَةَ وَلَدَتْ غُلامًا فَسُرَّ بذَلِكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَأَدْخَلَهُ جَوْفَ الْكَعْبَةِ، وقَامَ عِندَهَا يَدْعُو اللهَ ويَشْكُرُهُ بِمَا أَعْطَاهُ فَقَالَ:
الحَمْدُ للهِ الذِي أَعْطَانِي هَذَا الْغُلَامَ الطَّيِّبَ الْأَرْدَانِ قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْعِلْمَانِ أُعِيدُهُ بِالْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ أَرَاهُ بَالِغَ الْبَيَانِ أُعِيدُهُ مِنْ شَرٌ ذِي شَنَآنِ (2)
وإِنَّهُ لمَّا جَاءهُ عبد المطَّلِبِ انْشَقَّتْ لَهُ القِدْرُ، وسَمَّاهُ مُحَمَّدا، رَجَاءَ أَنْ يَحْمَدَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ والسَّماءِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْهَاتِفُ لِآمِنَةَ سَمِّيهِ مُحَمَّدًا كَمَا مَرَّ.
وَمِمَّا يُشْبِهُ الْهَدْمَ بِسَبَبِ وِلَادَتهِ، أَنَّ جِبْرِيلَ ال غَمَسَ عَرْشَ إِبْلِيسَ أَسْفَلَ الْبَحْرِ فِي رُكْنٍ مِنْهُ ضَيِّقٍ سَيْءٍ حَتَّى اسْوَدَّ، وانْقِلابُ سُرُرِ السَّلاطِينِ وَكَرَاسِتِهِمْ، وَانْتِكَاسُ الأَصْنَامِ.
ومَا رُوِيَ فِي وِلَادَةِ أَبِيهِ عبد الله بن عبد المطلب، وذَلِكَ أنَّهُ وُلِدَ عَبْدُ اللهِ أَبُوهُ لِأَرْبَعِ وَعِشْرِينَ سَنةٌ مَضَتْ مِنْ مُلْكِ كِسْرَى أَنُو شِرْوَانَ، وكانَ يَوْمَ وُلِدَ عَبْدُ اللهِ عِلْمٌ بِمَوْلِدِهِ لجَمِيعِ أَحْبَارِ الشَّامِ. كَانَتْ عِنْدَهُم جُبَّهُ صُوفٍ بَيْضَاءٌ مَغْمُوسَةٌ فِي دَمِ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاءَ، وَكَانُوا قَدْ وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ: إِذَا رَأَيْتُم الْجُبَّةَ البَيْضَاءَ والدَّمُ يَقْطُرُ مِنْهَا، فَاعْلَمُوا أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ المُصْطَفَى قَدْ وُلِدَ تِلْكَ اللَّيْلَة. ونَهَضُوا بأَجْمَعِهِمْ إِلَى الْحَرَمِ، وأَرَادُوا أَنْ يَغْتَالُوا بِعَبْدِ اللهِ فَصَرَفَ اللهُ شَرَّهُم عَنْهُ، وَرَجَعُوا إِلَى بِلادِهِمْ. وَلَمْ يَكُنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِمْ أحد مِنَ الحَرَمِ إِلَّا سَأَلُوهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، فَيَقُولُونَ: ترَكْنَا نُورًا يَتَلَالَا فِي قُرَيْشٍ، فَتَقُولُ الأَحْبَارُ: لَيْسَ ذَلِكَ النُّورُ لعَبْدِ اللهِ، إِنَّما ذَلِكَ النُّورُ لِمُحَمَّدِ اللهِ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ أَجْمَلَ قُرَيْشٍ، فشَغَفَتْ بِهِ كُلُّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَكِدْنَ تذْهَلُ (3) عُقُولُهُنَّ فَلَقِيَ عَبْدُ اللهِ، فِي زَمَنِهِ مِنَ النِّسَاءِ، مَا لَقِيَ يُوسُفُ فِي زَمَانِهِ مِن امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُخْبِرُ أَبَاهُ بِمَا رَأَى مِنَ الْعَجَائِبِ [106 و] يَقُولُ: يا أَبَتِ إِنِّي إِذَا خَرَجْتُ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ، وصِرْتُ عَلَى جَبَل ثبير، خرَجَ مِنْ ظَهْرِي نُورَانِ أَخَذَ أَحَدُهُمَا شَرْقَ الْأَرْضِ، والآخَرُ غَرْبَها، ثُمَّ إِنَّ ذَيْنِكَ النُّورَيْنِ يَسْتَدِيرَانِ حَتَّى صارَا كَالسَّحابَةِ، ثُمَّ تَنْفَرِجُ لَهُمَا السَّماءُ، فَيَدْخُلَانِ فِيهَا، ثُمَّ يَخْرُجَانِ ويَرْجِعَانِ إِلَيَّ فِي لَمْحَةٍ وَاحِدَةٍ. وإِنِّي لَأَجْلِسُ فِي الْمَوْضِعِ الْيَابِسِ، أَوْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ فَتَحْضَرُ وتُلْقِي عَلَيَّ أَغْصَانَها فَإِذَا قُمْتُ وتَرَكْتُها عَادَتْ إِلَى مَا كَانَتْ. فقَالَ لَهُ: عَبْدَ اللهِ أَبْشِرْ يا بُنَيَّ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ ظَهْرِكَ الْمُسْتَوْدَعَ الْمُكَرَّمَ، فَإِنَّا قَدْ وُعِدْنَا
(1) تاريخ الخميس، الديار بكري، 204/ 1.
:
(2) الأبيات من الرجز، تاريخ الخميس، الديار بكري، 204/ 1، مع تغيير وفيه زيادة شطر من حاسد مضطرب العينان.: (3) دهل: قال ابن الأَعرابي: الدّاهِل المُتَحيّر. قال الأَزهري: أَصله دالِةٌ ولا دَهْل أَي لا تَخَفْ نَبَطِيَّة معربة. لسان العرب (دهل).
288