إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٠

ذَلِكَ، وإِنِّي رَأَيْتُ قبلَكَ رُؤْيَا كُلُّها تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ظَهْرِكَ أَكْرَمُ العَالَمِينَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ أَبُو النَّبِي: لا كُلَّمَا أَصْبَحَ، وَدَخَلَ عَلَى الصَّنم، اللَّاتِ أو العزَّى صَاحَ الصَّنَمُ كَالْهِرَّةِ ونَطَقَ: مَا لَنَا وَلَكَ أيُّها المُسْتَوْدَعُ ظَهْرَه نُورُ مُحَمَّدٍ، الذِي يَكُونُ هَلاكنَا وهَلَاك أَصْنَامِ الدُّنْيَا عَلَى يَدَيْهِ (1).

الفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي مَنْعِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ وفِي أَخْبَارِ الجِنِّ لمَّا دَنَا مَبْعَثُهُ حُجِبَت الشَّيَاطِينُ عَنِ السَّمع بِالشُّهُبِ، كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمَع فَيَخْطِفُ أَحدُهُم الْكَلِمَةَ فيَضُمُّ إِلَيْهَا مِئَةً أَوْ تِسْعَةً وتِسْعِينَ كِذْبَةً ثُمَّ يُلْقِيهَا لِلْكَاهِنِ.

والشهابُ: شعْلَةُ نَارٍ تَحْرِقُ الشَّيْطَانَ الْمُسْتَرِقَ لِلسَّمْع أو تخبله، وذلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَقَعُ فِي الْأَرْضِ؛ لِكَوْنِ رَئِيسِهِمْ يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ لِيَكْتُبُوهُ فيَتَلَقَّوْنَهُ مِنْهُ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَنْسَحُهُ مِنْ كُتُبِ الْبَعْضِ الآخَرِ زِيَادَةً لِلْاعْتِنَاءِ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي وُقُوعُهُ فِي الْأَرْضِ عَلَى أَيْدِيهِم، فَيَدْرُسُونَهُ أَوْ يَكْتُبُونَهُ. وأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَى أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَر مَنَ الْجِنِّ إلى رَصَدًا (2) وَلَمَّا سَمِعَ الْجِنُّ ذَلِكَ عَرَفُوا الْحَقَّ فَآمَنُوا ثمَّ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قائِلِينَ مَا ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الْأَحْقَافِ". ويُوَافِقُ هَذَا مَا يُرْوَى: أَنَّهُ لَمَّا حِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ قالُوا: إِنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَها فَانْظُرُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مِنْ جِنِّ نصيبين باليَمَنِ قِبَلَ تهامَةَ، فَوَجَدُوا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَحْلَةٍ قَرِيبَةٍ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ، مَعَ أَصْحَابِهِ يُصَلِّي الصُّبح وهُو يَقْرَأُ القرآنَ فَاسْتَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ قَالُوا: هَذَا الذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَأَسْلَمُوا وَوَلَّوْا إِلَى

قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ: قُلُ اوحى (3) الآيَاتِ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا (4) الآية (5). ورُوي أَنَّهُ خَرَجَ إِلى الطَّائِفِ يَدْعُوهُم إلى الإسْلامِ، وانْصَرَفَ عَنْهُمْ فَبَاتَ بِنَحْلَةٍ يَقْرَأُ فَاسْتَمَعَ حِنُّ نَصِيبن (6). وفِيهِ نَظَر، فَإِنَّ اسْتَمَاعَهُم لَمْ يَكُنْ تِلْكَ اللَّيْلَة بَلْ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كانَ الْجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الْوَحْيَ، فَيَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَزِيدُونَ مَعَهَا عَشْرًا، أَيْ: بَعْضُ يَزِيدُ عَشْرًا، وبَعْضُ مِئَةٌ مثَلًا، وتَارَةً تَكُونُ الزِّيَادَةُ عشرًا وتارةً أَكْثَرُ، بَلْ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ، فَقَدْ يَزِيدُون أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ أَوْ

(1) تاريخ الخميس، الدِّيار بكري، 182/ 1، بتصرف.

(2) سورة الجن: 1 - 9.

(3) سورة الجن: 1 - 9.

(4) سورة الأحقاف: 29.

(5) صحيح البخاري، حديث (773)، وينظر: الدر المنثور، السيوطي، 5/ 15 - 6.

(6) تفسير ابن كثير، 31/ 13.

289