الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٢بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)) (1). وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا لَا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَاوَاتِ وكانُوا يَدْخُلُونَهَا ويَأْتُونَ بِأَخْبَارِها، فيُلْقُونَ علَى الْكَهَنَةِ. فلمَّا وُلِدَ عيسَى مُنِعُوا مِنْ ثَلَاثِ سَمَاوَاتٍ، ولمَّا وُلِدَ سيّدنا محمَّدٌ مُنِعوا مِنَ السَّماواتِ كلِّهَا، فَمَا مِنْهُمْ مِن أَحَدٍ يُريدُ اسْتِراقَ السَّمعِ إِلَّا رُميَ بشِهَابٍ، وَهُوَ الشُّعلَةُ مِنَ النَّارِ، فَلَا تُخطِئُ أَبدًا. فمِنْهُمْ مَنْ تَقْتُلُهُ ومِنْهُمْ مَنْ تَحْرِقُ وَجْهَهُ، ومِنْهُم مَنْ تخبله فيصيرُ غولا يُضِلُّ النَّاسَ فِي الْبَرَارِي (2). قالَ الْأَئِمَّةُ: لَمْ يَكُنْ هذَا ظَاهِرًا قَبْلَ مُبْعَثِهِ الهلال ووَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ قَبْلَ زَمَانِهِ، وَإِنَّما ظَهَرَ فِي بَدْاً أَمْرِهِ تَأْسِيسًا لِنُبُوءَتِهِ [107]). نَعَمْ، جَاءَ عَنْ مَعْمَر (4) تِلْمِيذِ الزُّهرِي، أَنَّهُ قالَ لِلزُّهْرِي: أَكَانَ يُرْمَى بِالنُّجُومِ فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ (5). قَالَ: غُلَّطَتْ وشُدِّدَ أَمْرُهَا،
حِينَ بُعِثَ.
وكَذَا قَالَ ابن قتيبة: إِنَّهُ كانَ الرَّحْمُ قَبْلَهُ الهلال ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شِدَّةِ الحِرَاسَةِ مِثْلَهُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ (7). وأفاد حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرَّحِمَ بالشُّهُبِ لَا بَنَفْسِ الْكَوْكَبِ، وَأَنَّ الكَوْكَبَ لَا يُنَفِصلُ مِنْ مَحَلِّهِ. وقِيلَ: يَنْفَصِلُ ثُمَّ يَرْجِعُ، ووَجْهُ دخُولِ السَّماواتِ أَنَّ اللهَ أَقْدَرَ بَعْضَهُم عَلَى سُرْعَةِ الطَّيَرانِ كالْمَلَائِكَةِ، وبَعْدَ المَنْعِ مِن الدُّخُولِ يَسْتَمِعُونَ مِنْ مَلَائِكَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ أَوْ قَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ، أَوْ مِنْ داخِلِ السَّماءِ بِلَا نُفُوذ، ويرْجمُونَ داخِلَهَا كَذَلِكَ، والسَّماءُ شفَافَةٌ فترَى الشَّهَاب، وقَبْلَ الْمَنْعِ يَسْتَمِعُونَ بِمَا وَجَدُوا مِنْ ذلِكَ وبالدخولِ والنُّفُوذ، واللهُ أَعْطَاهُمْ شَيْئًا يقولُونَهُ أو يَفْعَلُونَهُ؛ فَيَتَشَكَّلُونَ بِهِ عَلَى أَيِّ صُورَةٍ، فَهُوَ قَلْبٌ وتَصْوِيرٌ مِنَ اللهِ لَا مِنْهُمْ.
وكانَتِ الأَحْبَارُ مِنَ اليَهُودِ والرُّهبانُ مِنَ النَّصارى والكُهَّانُ، قَدْ تَحَدَّثوا بِأَمْرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبل بِعْتَتِهِ، أَمَّا الأخبارُ والرُّهبانُ فعَمَّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وزَمَانِهِ الله ومَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنبِنَائِهِم، وأمَّا الكُهَّانُ مِنَ الْعَرَبِ فَأَخْبَرَتْهُم الشَّيَاطِينُ بِمَا تَسْتَرِقُ إِذْ كَانَتْ لَا تُحْجَبُ.
(1) الحديث في صحيح البخاري (3231) وصحيح مسلم (1795).
(2) المواهب اللدنية، القسطلاني، 633/ 2.
(3) (م، س)، 633/ 2 - 634.
(4)
سير
معمر بن راشد الأزدي البصري نزِيلُ اليَمَن شهد جنازة الحسن البصري، حدَّثَ عن قتادة والزهري، وعمرو بن دينار، ت: 152 هـ. أعلام النبلاء، الذهبي، 5/ 7.
(5) سورة الجن: 9.
(6) تفسير البغوي، 374/ 4.
(7) تفسير البغوي، 374/ 4، وينظر تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص 430.
291