الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٣وكان الكُهَّانُ والكَوَاهِنُ يَذْكُرُونَ بَعْضَ أمُورِهِ وَلَا تُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا، حَتَّى بَعَثْهُ اللهُ تعَالَى، فَتَذاكَرُوا مَا سَبَقَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا حَضَرَ فَعَرَفُوا. فَلَمَّا تَقَارَبَ بَعْتُهُ حُجِبَت الشَّيَاطِينُ عَن السَّمْعِ لقلا يلبِسُوا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ.
بالرجم،
فقيل: يشعل مِنَ النُّجومِ وهِيَ فِي الْفلكِ الثَّامِنِ، وقِيلَ: يُرمَى بِهَا فَتَرْجِعُ، وَعَلَى هَذَا فَهِيَ صِغَارٌ لا كِبَارٌ .... (1) قِيلَ: كُلُّ نَحْمٍ أَكْبَرُ مِن الدُّنْيا، وعَلَى الأَوَّلِ سُمِّيَ مَا شعل مِنَ النَّجْمِ نَحْمًا، أَوْ كَانَت النُّجُومُ تَحْتَ السَّماءِ، بَعْضُها فوْقَ بَعْضٍ مع الدراري فيكون الكسوفُ؛ لأَنَّ بَعضًا فَوْقَ بَعْضٍ، والْقَمَرِ بمجيد الشَّمْسِ عَنْ مَجْرَاها.
وشهرَ أَنَّ الدِّرَارِي كُلُّ واحِدٍ فِي سَمَاءٍ، وَلَعَلَّ اللهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ النُّحومَ الصِّغَارَ لِلرَّمْيِ، فَتَرِجُع أو تَزْدَادُ. ولَمَّا سَمِعَت الجنُّ الْقُرْآنَ عَرَفُوا الْحَقَّ وَرَجَعُوا مُنْذِرِينَ إِلَى قَوْمِهِم، وَكَانُوا يَهُودًا لأَنَّهُمْ قَالُوا:
كِتَبًا انزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى (2) ذَكَرَ ذَلِكَ عبد الله بن سلام وكانُوا سَبْعَةٌ (3).
وذكر أبو بكر بن طاهر الإشبيلي القَيْسِي فِي فَضائِلِ عُمَر بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَمْشِي فِي فَلَاةٍ فَإِذَا حَيَّةٌ مَيِّتَةٌ فَكَفَّنَهَا بِفَضْلَةٍ مِنْ رِدَائِهِ ودَفَنَهَا، فَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: يَا سُرِّق أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ الله يَقُولُ لَكَ: ((سَتَمُوتُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَيُكَفِّنُكَ ويَدْفِنُكَ رَجُلٌ صَالِحٌ)) فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمكَ اللهُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ الذِينَ سَمِعُوا الْقُرْآنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنَا وسُرَّق، وهَذَا سُرَّق قَدْ مَاتَ (4).
وَرُوِيَ
أَنَّهُ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَمْشِي فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْشُونَ فَرُفِعَ لَهُم [107] إِعْصَارٌ ثُمَّ إِعْصَارٌ أَعْظَمُ فَانْقَشَعَ عَنْ حَيَّةٍ قتيل، فَكَفَّنَهَا بَعْضُنَا بِفَضْلَةٍ مِنْ رِدَائِهِ ودَفَنَهَا، فلَمَّا جَاءَ اللَّيلُ إِذَا بِامْرَأَتَيْنِ تَسْأَلَانِ أَيُّكُمْ كَفن ودَفَنَ عمرو بن جابر؟ فَقُلْنَا: ما نَدْرِي مَنْ عمرو بن جابر. فقالَتَا: إِنْ كُنْتُم ابْتَغَيْتُم الْأَجْرَ فَقَدْ وَجَدْتُموهُ، إِنَّ فَسَقَةَ الْجِنِّ اقْتَتَلُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُم، فَقُتِلَ عمرو وهُوَ الْحَيَّةُ التِي رَأَيْتُم، وهُوَ مِنَ النَّفَرِ الذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ مِنْ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ثُمَّ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم منْذِرِينَ (5). وذَلِكَ مِنْ عمر بن عبد العزيز والصَّحابِي فِرَاسَةُ الْمُؤْمِنِ.
قالَ لهيب بن مالك: حَضَرْتُ معَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ عِنْدَهُ الكَهَانَةَ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْت وأُمِّي نَحْنُ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ حِراسَةَ السَّماءِ وزجرَ الشَّيَاطِينِ، ومَنْعَهُمْ مِن اسْتِراقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَذْفِ النُّجُومِ،
(1) كلمة غير مفهومة كأنها: كما.
(2) سورة الأحقاف: 30.
(3) الروض الأنف، السهيلي، 197/ 2، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 213/ 16. (4) الروض الأنف، السهيلي، 198/ 2، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 214/ 16. (5) الروض الأنف، السهيلي، 198/ 2، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 214/ 16.
292