الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٩فأَتَيْنا مَكَّةَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ الهلال يدْعُو إِلَى الْإِسلام، فقَالَ عُمَر ه: الْحَمْدُ للهِ الذِي أَكرَمَنَا بِمُحَمَّدٍ). قالَ الْكَلبِي (2): لَقِيتُ شُيُوحًا مِنْ شُيُوخ طيء فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ قِصَّةِ مازن وسَبَبِ إِسْلَامِهِ، ووُفُودِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ الله وكَانَ بِقَرْيَةٍ تُدْعَى: سنابل، مِنْ قُرَى عمان، فأَخْبَرُوهُ عَنْ مَازِنِ أَنَّهُ قَالَ: عَتَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَتِيرَةً؛ وهِيَ الذَّبِيحَةُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ: يَا مَازِن أَقْبِلْ أَقْبِلْ، فَاسْمَعْ مَا لَا تَجْهَلْ، هذَا نَبِيءٌ مُرْسَل جَاءَ بِحَقِّ مُنْزَل فَآمِنْ بِهِ كَيْ تُعْزَلْ عَنْ حَرِّ نَارٍ تُشْعَلْ، وَقُودُهَا بِالْجَنْدَلْ، قَالَ: فقلتُ: واللهِ إِنَّ هَذَا لَعَجَبٌ.
6
ثُمَّ عَتَرْتُ بَعْدَ أَيَّامٍ عَتِيرَةً أُخْرَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا أَبْيَنَ مِنَ الْأَوَّلِ: يَا مَازِنِ اسْمَعْ تُسَرْ، ظَهَرَ خَيْرٌ وبَطَنَ شَرّ، بُعِثْ نَبِيءٌ مِنْ مُضَر، يَدِينُ للهِ الْكُبَر، فَدَع نَحِيتًا مِنْ حَجَرٍ، تَسْلَمْ مِنْ حَرِّ سَقَرْ. قَالَ مازن: فقُلْتُ: هَذَا واللهِ لَعَجَب وَإِنَّهُ لَخَيْرٌ يُرادُ بي. وقَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الحجاز، فقُلْنَا مَا الْخَبَرُ وَرَاءَكَ؟ قَالَ: خَرَجَ بِتِهَامَةَ رَجُلٌ، يَقُولُ لِمَنْ أَتَاهُ: اللهِ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ. فَقُلْتُ لَهُ: هذَا واللهِ نَبَأُ مَا سَمِعْتُ، فتُرْتُ إِلَى الصَّنَمِ فَكَسَرْتُهُ جُذَاذًا،
أجِيبُوا دَاعِيَ وشَدَدْتُ رَاحِلَتِي ورَحَلْتُ، حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَشَرَحَ لِي الإِسْلَامَ فَأَسْلَمْتُ (3). وكان خنافر بن التوأم كاهِنًا، وقَدْ أُتِيَ بَسْطَةً فِي الْجِسْمِ والمَالِ، وَكَانَ عَاتِيَّا، فَلَمَّا وَفِدَتْ وفُودُ الْيَمَنِ عَلَى النَّبِي الله وظَهَرَ الْإِسْلامُ، أَغَارَ عَلَى إِبِل مِنْ (مراد (4)] (5) وَخَرجَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَحِقَ بالشحر (6)، فحالف جودان بن يحيى (7)، وَكَانَ سَيِّدًا مَنيعًا، ونَزَلَ بِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ السِّحْرِ (8) مُحْصِبٍ
كَثِيرِ الشَّجَرِ.
قالَ خُنَافِرٍ: وَكَانَ لِي رِثْيِّ اسْمُهُ شصار (9) لَا يَغِيبُ عَنِّي، فَلَمَّا شَاعَ الْإِسْلَامُ فَقَدْتُهُ مُدَّةً طَوِيلةً، فَسَاءَنِي ذَلِكَ. فَبَيْنَمَا أَنَا في ذَلِكَ الْوَادِي لَيْلَةً قَائِمًا، إِذْ أَهْوَى إِلَيَّ هَوِيِّ الْعُقَابِ، فَقَالَ: حُنَافِرِ، فقُلْتُ: شصار فقالَ: اسْمَعْ أَقُلْ قُلْتُ أَسْمَع، فَقَالَ: عِه تَغْنَمْ، لِكُلِّ مُدَّةٍ نِهَايَة، وَكُلُّ ذِي أَمَدٍ إِلَى
(1) القصة كلها مع الرَّجز، الاكتفاء، الكلاعي، 175/ 1. (2) ابْنُ الكَلْبِيِّ أَبُو المُنْذِرِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ.
(3) الاكتفاء، الكلاعي، 176/ 1 - 177. والقصة في دلائل النبوة، البيهقي، 256/ 2، وغيره، مع تغيير. (4) مراد: من قبائل اليمن، تقع مساكنها إلى الغرب الجنوبي من مأرب، ويبلغ عدد رجالها القاتلين أربعة آلاف. واسم مراد يحابر بن زيد. جمهرة أنساب العرب، ابن حزم ص 406، ومعجم قبائل العرب رضاكحالة، 1066/ 3.
(5) في الاكتفاء: لمراد.
مالك بن أدد بن
(6) في الأصل: بالشحن. السِّحْرُ: الشَّطُ، وهو صقع (ناحِيَة) على ساحل بحرِ الهند من ناحِيَة اليَمَنِ، قال الأَصْمَعِي: هو بينَ عَدَن وعُمان. معجم البلدان، الحموي، 327/ 3.
(7) جَوْدَانَ بنَ يَحْيَى الفرضمِي، كما في الأمالي، لم أقف على ترجمة له.
(8) في الأصل: الشحن.
(9) إضافة على الهامش.
298