الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٠غَايَة. قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: كُلُّ دولَةٍ إِلَى أَجَل ثُمَّ يتاحُ لَهُمْ حِوَل قَدْ تنسَّحَتِ النِّحَلِ، وَرَجَعَتْ إِلَى حقَائِقِها الْمِلَل، إِنَّكَ شَجِيرٌ (1) مَوْصُول، والنُّصْحُ لَكَ مَبْذُول، إِنِّي آنَسْتُ بِأَرْضِ الشَّامِ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ القوام (2) [109] حُكَامًا علَى الْحُكّام [يزبرُونَ (3) دُررًا] (4) مِنَ الْكَلَامِ لَيْسَ بِالشِّعْرِ الْمُؤَلَّفَ، وَلَا السَّجْعِ الْمُتَكَلّف، فَأَصْغَيْتُ فَزُجِرْت فَعَاوَدْتُ فطلبت (5)، فقُلْتُ: بِمَ تهينمونَ (6) وَإِلَى مَنْ تَعْتَزُونَ؟ فقَالُوا: خِطَابُ كُبار، جَاءَ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، فَاسْمَعْ يَا شصار عَنْ أَصْدَقِ الْأَخْبَارِ، وَاسْلُكْ أَوْضَحَ الْآثار تَنْجُ مِنْ أُوَارِ النَّارِ، فقُلْتُ: ومَا هَذَا الْكَلَامُ؟ فقالُوا: فُرْقَانٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، رَسُولٌ مِن مضر، ابْتُعِثَ فَظَهَر، فجَاءَ بِقَوْلٍ قَدْ بَهَر، وأَوْضَحَ نَهْجًا قَدْ أَثر، فِيهِ مَوَاعِظُ لِمَنِ اعْتَبَر، وَمَعَاذُ لِمَنِ ازْدَجَر، أُلْفَ بِالْآيِ الْكُبَر. فقُلْتُ: ومَنْ هذَا الْمَبْعُوثُ مِنْ مُضَر؟ قَالُوا: أَحْمَدُ خَيْرُ الْبَشَرِ، فَإِنْ آمَنْتَ أُعْطِيتَ الشَّبَر (7)، وإِنْ خَالَفْتَ أَصْلِيتَ سَقَر فَآمَنْتُ يا حُنَافِر، وأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ أُبَادِرٍ، فَجَانِبْ كُل رِجْسٍ كَافِر، وشَايِعْ كُلَّ مُؤْمِنٍ طَاهِر، وإِلَّا فَهُوَ الْفِرَاقُ ولَا مِنْ تَلاقِ. فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَبْغِي هَذَا الدين؟ قال: مِنَ النَّفَرِ اليَمَانِين أَهْلِ الْمَاءِ وَالطِّين. قُلْتُ: أَوْضِحْ، قالَ: الْحَقِّ بِيَثْرِبَ ذَاتِ النَّخْلِ، فهُنَالِكَ أَهْلُ الْفَضْلِ والطَّوْل، والْمُوَاسَاةِ والنَّوْل، ثمَّ انمُلَسَ عَنِّي، فَبِتُ مذْعُورًا أُرَاعِي الصَّبَاحَ، فَلَمَّا بَرَقَ لِي النَّورُ امْتَطَيْتُ رَاحِلَتِي، وآذَنْتُ أَعْبُدِي، واحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي حَتَّى وَرَدْتُ الحرف (8) (9)، فَرَدَدْتُ الإبل على أَرْبابِها وأَقْبَلْتُ أُرِيدُ صَنْعَاءَ فَأَصَبْتُ فِيهَا معاذ بن جبل أَمِيرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلَامِ وعَلَّمَنِي مِنَ الْقُرْآنِ فَمَنَّ اللهُ عَلَيَّ بِالْهُدَى بَعدَ الضَّلالَةِ وَالْعِلْمِ بَعْدَ الْجَهالَةِ وقُلْتُ:
،
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ عَادَ بِفَضْلِهِ فَأَنْقَدَ مِنْ حَرِّ (10) الرَّحْيخ (11) حُنَافِرَا
(1) في الاكتفاء وأمالي القالي سجِير. شَجِير: الغريب والصاحب. لسان العرب (شجر).
(2) في الاكتفاء: العزام، وفي أمالي القالي: العُدّام.
(3) الزبر: الكتابة، وزَبَرَ الكتابَ يَزْبُرُه ويَزيرُه زَبْراً كتبه، وقيل: النَّقْشُ في الحجارة. لسان العرب (زبر). (4) في أمالي القالي: يَذْبُرونَ ذا رَوْنَق، وفي الاكتفاء: يذكرون ذا رونق. (5) في أمالي القالي والاكتفاء فظلِفْت وظَلَفه عن الأَمر يَظْلِفُه ظَلْفاً. منعه. لسان العرب (ظلف).
(6) الهينمة: الصوت وهو شبه قراءة غير بينة. لسان العرب (هنم).
(7) في الأصل: الشَّيَر، وسيشرحه المؤلف بالخير، ولم أجد ضبطه بالياء، بل هو بالباء. الشبر: الخير والفضل والعطاء. مقاييس اللغة (شبر).
(8) في الاكتفاء وأمالي القالي: الجوف.
(9) في معجم البلدان مواضع كثيرة باسم الجوف، ومما اخترته مناسباً للمقام قوله: "والجوف أيضا: من أرض مراد، رواه الحميدي الجرف ورواه النسفي الحول،
وهو فاسد، وهو في أرض سبأ" .. البلدان، الحموي، 188/ 2.
معجم
(10) في أمالي القالي والاكتفاء لفح.
(11) في أمالي القالي والاكتفاء لفح الرَّحِيخُ: النار، يمانية، وقيل: هي شدة: بريق الجمر. لسان العرب (زخخ)
299