الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠١وَكَشَفَ لِي عَن حَجْمَتَيَّ (1) عَمَاهُمَا وَأَوْضَحَ لِي نَهْجًا وَقَدْ كَانَ دَاتِرًا (2) دَعَانِي شِصَارٌ لِلَّتِي لَوْ رَفَضْتُهَا لَأُصْلِيتُ جَمْرًا مِنْ لَظَى الْهَوْبِ وَاهِرَا (3) فَأَصْبَحْتُ وَالْإِسْلَامُ حَشْوُ جَوَانِحِي وَجَانَبْتُ مَنْ أَمْسَى عَنِ الْحَقِّ نَائِرَا
وَكَانَ مُضِلّي مَنْ هُدِيتُ بِرُشْدِهِ فَلِلَهِ مُغْوِ عَادَ بِالرُّشْدِ آمِرا نَجَوْتُ بِحَمْدِ اللهِ مِنْ كُلِّ فَجْعَةٍ (4) تُوَرّثُ هلكًا يَوْمَ (5) شَايَعْتُ شَاصِرَا (6) والشَّجِيرُ: الصَّدِيقُ والشَّيَرُ: الْخَيْرُ، حُرِّكت ياءُهُ لِلسَّجْعِ، والأَوَارُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، والرَّحِيحُ: النَّارُ بِلُغَةِ الْيَمَنِ، والْحَجْمَتَانِ العَيْنَانِ بِلُغتِهِم أَيْضًا، والْهَوْبُ: النَّارُ بِهَا، وَنَائِرا: نَافِرا.
وكان لمرداس السّلميّ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ: ضمَار، وهُوَ حَجَرٌ، فَلَمَّا احْتَضَرَ مِرْدَاسُ قَالَ لِابْنِهِ عبَّاسٍ: أَيْ بنيَّ اعْبُدْ ضَمَارًا فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ ويَضُرُّكَ، فبيْنَمَا عَبَّاسٌ عِنْدَ ضِمَارٍ إِذْ سَمِعَ مِنْ جَوْفِ ضِمَارٍ مُنَادِيًا يَقولُ: قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلِّهَا أَوْدَى (7) ضمَارِ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ إِنَّ الذِي وَرِثَ النُّبُوءَةَ وَالْهُدَى بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي أَوْدَى ضِمَارِ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً قَبْلَ الْكِتَابِ إِلَى النَّبِيءٍ مُحَمَّدِ (8) فَأَحْرَق العَبَّاسُ ضمارًا، فَلَحِقَ بِالنَّبي صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ). وكَانَ العبّاس بن مرداس في لقاح (10) لَهُ نِصْف [110 و] النَّهارِ، فَاطَّلَعَتْ عَلَيْهِ نَعَامَةٌ بَيْضَاءُ عَلَيْهَا رَاكِبٌ عَلَيْهِ ثِيَابُ بِيضٌ فَقَالَ لي: يا عبَّاس بن مِرْدَاس، ألَمْ تَرَ أَنَّ السَّمَاءَ كَفَّتْ أَحْرَاسَهَا، وَأَنَّ الْحَرْبَ جَرَعَتْ أَنْفَاسَها، وأَنَّ الْخَيْلَ وَضَعَتْ أَحْلَاسَها، وأَنَّ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ البِرُّ والتَّقْوَى يَوْمَ الْاثْنَيْنِ لَيْلَة الثَّلَاثَاءِ صَاحِب الْقصْوَى. قالَ: فَخَرَجْتُ مَرْعُوبًا قَدْ رَاعَنِي مَا رَأَيْتُ وَسَعَيْتُ حَتَّى جِئْتُ وَثَنَّا يُقَالُ لهُ الضّمار، وكُنَّا نَعْبُدُهُ ونُكَلَّمُ مِنْ جَوْفِهِ، فَكَنَسْتُ مَا حَوْلَهُ ثُمَّ تَمَسَّحْتُ بهِ، فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ
مِنْ جَوْفِهِ:
(1) يقصد العينين.
(2) الدثور: الدروس. قيده بالتاء وهو بالثاء.
(3) الهوب: اسم النار، واشتعال النار ووهجها يمانيَّة. لسان العرب (هوب).
واهر: لَهَبٌ واهِرٌ ساطع. لسان العرب (وهر).
(4) في الاكتفاء وأمالي القالي: قحْمة.
(5) في الأصل: يوماً، وينكسر الوزن به.
(6) الأبيات من الطويل، والقصة في أمالي القالي 169/ 1، والاكتفاء، الكلاعي، 178/ 1 - 179،
(7) أَوْدَى الرجلُ هَلَكَ فهو مود. لسان العرب (ودي).
(8) الأبيات من الكامل.
(9) الاكتفاء، الكلاعي، 179/ 1–180.
(10) لقاح: جمعُ لِفْحَة وهي: الناقة حينَ يَسمن ولدها، حتى يمضي له سبعة أشهر.
300