إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٤

وقُلْتُ:

قِرَاضُ أَشْكُو هَلْكَ الْجَوَارِحُ مِنْ طَائِرٍ ذِي مَخْلَبٍ وَنَابِح وَأَنْتَ لِلْأَمْرِ الشَّدِيدِ الْفَادِح فَافْتَحْ فَقَدْ أُقِلْتَ لِلْمَفَاتِحَ

فأجابني من الصَّنَمِ مجيب:

دُونَكَ كَلْبًا سَادِكًا مُبَارَكًا تَرَاهُ فِي أَنْحَارِهِنَّ سَالِكَا (1)

ـدُكَ الْأَوَابِدَ الْبَوَاركَا

ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَحْلِي فَوَجَدْتُ كلْبًا هَائِلًا، واسْمُ الْكَلْبِ حياض، فصارَ يُرْغِدُ عَيْشَهُ بالصَّيْدِ الكَثِيرِ كل يوم، إِلَى أَنْ شَاعَ ظُهُورُ النَّبي الله وأَقْبَلَ إِلَى الْحَيِّ إِنْسانُ، فَحَدَّثَ أَبَا رِيَابٍ بِحَدِيثِ النَّبِيء، وحِيَاض هذَا مُصِيخ ثُمَّ صارَ لَا يَصيدُ شَيْئًا، وكُلَّما أشلاه (2) أبو رياب على شيءٍ لَمْ يَمْتَثِلْ وَسَالَمَ الصَّيْدَ. فبَيْنَمَا أَبُو رِيابٍ يَسِيرُ يَوْمًا فِي الظُّهيرةِ وهُوَ يُفَكِّرُ فِيمَا دَهَاهُ مِنْ كَلْبِهِ حِياض، إِذْ رَأَى رَجُلَيْنِ عظِيمَيْنِ خَلْقًا، أحَدُهُمَا رَاكِبْ عِير وحش والآخَرُ راكِبٌ قرهبا (3)، وَوَرَاءَهُما عَبْدٌ أَسْوَد يَقُودُ كَلْبًا عَظِيمًا شَنِيعَ الْمَنْظَرِ فَصَاحَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ بِحِياض:

وَيْلَكَ يَا حِيَاضُ لَا تَصِدْ شَيْ نَّا

للهُ أَعْلَى وَلَهُ التَّوْحِيدُ

نا إلا ما حوته البِيدُ

ـبده محمد سديدٌ

يَا وَيْلَ قِرَاضِ لَهُ التَّنْكِيدُ قَدْ ضَلَّ لَا يُبْدِي وَلَا يُعِيدُ (4) فَانْصَرَفا وَقَد ذلَّ الكلبُ حياض ذُلَّا شَدِيد [1].

قال أبو رياب: فَلَمَّا جنَّ اللَّيلُ اسْتَلْقَيْتُ عَلَى فِراشِي مُتَفَكِّرًا، فَسَمِعْتُ حِسَّ الْكَلْبِ الذِي كان يقودُهُ الغُلَامُ قَدْ دَخَلَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ حياض فقَالَ: أَخْفِ أَمْرَكَ حَتَّى أَنْظُرَ أنَائِمٌ هُو، أَمْ يَقْطَانُ. ثُمَّ تَطَاوَلَ يَنْظُرُ فَتَنَاوَمْتُ لَهُ، فَقَالَ: هُوَ نَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ الْكَلْبُ الدَّاخِلُ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ الدَيْنِ كُنْتُ حَلَفَهُمَا هُمَا مِنْ عُظَمَاءِ الزَّواجِرِ مِن الجِنِّ، وقَدْ أَسْلَمَا وآمَنا بِالنَّبي الله وأَمَرَهُما بِقَتْلِ شَيَاطِينِ الْأَوْثَانِ، وقَالَا: مَا تَرَكْنَا حيَاضًا أَمْسِ إِلا لِضُعْفِهِ وعِلْمِهِما أَنَّهُ يَهْرُبُ إذَا سَمِعَ بهما. ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الكَلْبُ المُتَحَدِّثُ أَنَّهُما نَكَّلَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ شَيْطانُ وَثَنِ يارِق وأرَادَا قَتْلَهُ إِلَى أن اسْتَوْثَقَا مِنْهُ أَنَّهُ يَفِرُّ عَنْ وَثَنِهِ وَلَا يَقْرَبُهُ أَبَدًا. فَقَالَ له حياض: فمَا تَرَى لي قالَ: الذِي أَرَى لِنَفْسِي، وهُوَ الفِرَارُ إِلَى الهِنْدِ، فَهَرَبَا مَعًا، فَأَوْقَعَ اللهُ فِي قَلْبِهِ الإِسْلامَ والْهِجْرَةَ إِلَى النَّبي صلى الله عليه وسلم [111 و] فَعَرَضَ ذلِكَ عَلَى قَوْمِهِ، فَسَفَّهُوهُ وعَتَّتُوهُ عَلَى تَرْكِ دِينِهِ ودِين

(1) من الرَّجزِ.

(2) أَشْلَيْت الكَلْبَ بمعنى أَغْرَيْته. لسان العرب (شلي).

(3) القَرْهَب من الثيران المُسِنُّ الضَّخْمُ. لسان العرب (قرهب).

(4) تختلف عن رواية فنون العجائب. لم أقف على الأبيات في المصادر.

303