الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٦و دَرَّتْ لَهُمْ بِسَببِكَ؛ [111] أي: أخْرَجَت الدَّرَّ، وهُوَ اللَّبَنُ، شَاةٌ حَقِيرَةٌ قَبْلُ وعَظِيمَةٌ بَعْدَ كَوْنِ النَّبِيء فيهِم الله، وشَاةٌ كَبِيرَةُ السِّنِّ حَتَّى كَانَ لِلَبَنِهَا زَبَدٌ أو زُنْدٌ، ومِنْ قَبْلِكَ لا تُخْرِجُ قَلِيلًا مِنَ اللَّبَنِ لِمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، كَمَا يَحْتَاجُ العَطْشَانُ لِلْمَاءِ.
تَلْمَع.
سَقَتكَ حَلِيمَةُ لَبَنَها فَسَقَتْهَا وقَبِيلَهَا الشَّاةُ اللَّبَنَ. وتَبضُ: بالصَّادِ المُعْجَمَة تَسْمَحُ وبِالْمُهْمَلَة
وكان لِلْقَبِيلَةِ بني سعدٍ الأَغْنَامُ مُمْتَلِئَة الضّرُوعِ لَبَنًا، حِينَ ذَلِكَ المذْكُورِ مِنْ رَضَاعِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ مَوْجُودٌ بِسَبَبِ شَأْنٍ عَظِيمٍ هُوَ كَوْنُهُ الله فِيهِمْ وَرَضِيعًا، وذَلِكَ بَعْدَ مَا اخْتَصَّ الْخَيْرُ بِهَا؛ لِيَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ بِبَرَكَتِهِ. وأَغْنَامُ السِّخالِ (1) الرَّضِيعَاتِ فِي شَأْنٍ آخَرَ هُوَ الهُزَالُ وعَدَمُ اللَّبَنِ. وجاءَكَ أَمْلاكُ مِن أَمْلاكِ السَّماءِ، حَالَ كَوْنِكَ فِي أَرْضِ بَنِي سَعْدِ، فَأَخْرَجَ هَذَا الْقَلْبَ الكَرِيمَ، قلْبَ النَّبِي الله القريب مِنَّا بِالْحُبِّ لَهُ والشُّعُورِ بِهِ الْمُتَأَهّل لِلْحُضُورِ فِي مَقامِ الْخَيْرِ، الملَكَانِ
الكَرِيمَانِ.
وأَبْعَدَتِ المَلَائِكَةُ مَا فِيهِ مِمّا يُطْبَعُ عَلَيْهِ الْبَشَرُ مِنْ مَسَاوِي الْقَلْبِ، فِي ضِمْنِ إِخْرَاجِ الْعَلَقَةِ، ومَلَاتُهُ بِكُلِّ عَلْمٍ كَتَبَهُ اللهُ لهُ وإِيمَانٍ. وثُلاثِيُّ "أَضَاعَ": ضَاعَ يضُوعُ؛ أيْ: ظَهَرَتْ رائِحَتُهُ. و "عَرْفًا: مَفْعُول بِهِ، أَيْ: أَرَاحَهُمْ رَائِحَةً. وإِسْنَادُ الإِضَاعَةِ للرّضاعِ تَجَوُّزُ فِي الإِسْنَادِ وَحَقِيقَتُهُ أَظْهَرَ اللهُ وعَدْنَانِي": بَيَاءِ النَّسَبِ مُنَادَى لِمَحْذُوف.
و"شَاة" و"شَارِف": بِالْإِفْرَادِ والتَّنْكِيرِ تَمْثِيلٌ بِالوَاحِدَة، أو اسْتَعْمَلَ النَّكِرَةَ فِي الْعُمُومِ السُّمُولِي معَ الإِثْبَاتِ عَلَى القِلَّةِ.
و"أَمْلَاك": للْحَقِيقَةِ أو تَقْدِير مُضَافٍ؛ أَيْ: بَعْضُ أَمْلَاكَ السَّمَاءِ. وَإِسْنَادُ الإِخْرَاجِ لِلْأَمْلَاكِ، وكَذَا الإِزَاحَةِ؛ أي: الإِبْعَاد كل لَا كُلَّيَّة. وأَصْلُ مَلَكٍ "مَلْأَكَ"، بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ لَامٍ سَاكِنَةٍ كَقَوْلِهِ: وَلَسْتَ لِإِنْسِي وَلَكِنْ لِمَلْأَكِ تَنَزَّلَ مِنْ جَوّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (2) وقيل: أَصْلُهُ "مالك" بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ، مِنَ الأَلُوكَة وهِيَ الرِّسالَة، والْمِيمُ زَائِدٌ عَلَى القَوْلَيْنِ. وَقِيلَ:
المِيمُ أَصْلٌ، وَلَا هَمْزَة، مُقَدَّرة، ويُنَاسِبُهُ الْجَمْعُ عَلَى أَمْلَاك، وَأَمَّا الجَمْعُ عَلَى مَلَائِكَة فيُنَاسِبُ الأَوّل. ولَمّا وُلِدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَادَى مَلَكٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرض، كما رُوِيَ أَوْ لِسَانُ الحَالِ: مَنْ يَكْفُلُ هذِهِ الدُّرَّةَ التِي لَا نَظِيرَ لَهَا؟ قَالَت الطُّيُورُ: نَحْنُ والوُحُوشُ نَحْنُ، والأَنْعَامِ نَحْنُ، فَنُودِيَ: قَضَى اللهُ
(1) السَّحْلَةُ ولد الشاة من المَعَز والضَّأْن ذكراً أو أنثى والجمع سَخْلٌ وسخال. لسان العرب (سخل).
(2) البيت من الطويل في مجاز القرآن لأبي عبيدة، 33/ 1، وقد ذكر المحقق مضان البيت والاختلافات في عزوه.
305