الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٧سعد
بِهِ لِحَلِيمَةَ الحليمَةِ (1)، أَيْ: لِأَنَّها أَعْقَلُ نِسَاءِ بَنِي ويُرْوَى أَنَّ عَبْدَ المطَّلِبِ سَمِعَ عِنْدَ دُخُولِ حَلِيمَةَ هَاتِفًا يَقُولُ:
إِنَّ ابْنَ آمِنَةَ الْأَمِينَ مُحَمَّدًا خَيْرُ الْأَنَامِ وَخِيرَةُ الْأَخْيَار مَا أَن لَهُ غَيْرِ الْحَلِيمَةِ مُرْضِعَهُ نِعْمَ الْأَمِينَةُ ذِي عَلَى الْأَبْرَارِ مَأْمُونَةٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فَاحِشٍ وَنَقِيَّةُ الْأَنْوَابِ وَالْأَزْرَارِ لَا تُسْلِمَنْهُ إِلَى سِوَاهَا إِنَّهُ أَمْرٌ وَحُكُمْ جَا مِنَ الْجَبَّار (2) (3) وهِيَ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيب عَبْدِ اللهِ بنِ الْحَارِث، وقِيلَ: بِنْتُ أَبِي ذُوِّيْبِ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ اللهِ (4). قال عطاء بن يَسَارٍ: جَاءَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤيب إِلَى النَّبِي ء الله يَوْمَ حُنَيْن، فَقَامَ إِلَيْهَا وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ (5).
قالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ نِسَاءِ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكر، نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ فِي سَنة شَهْبَاءَ؛ أَيْ: مُجْدِبَةٍ عَلَى أَثَان لي؛ أيْ: حِمارٍ أُنْثَى، ومَعِي صَبِيٌّ لنَا وشَارِفٌ لَنَا، واللهِ مَا تَبِضُ لَنَا بِقَطْرَةٍ؛ أَيْ: مَا تَسْمَعُ بِهَا أَوْ مَا تَلْمَعُ بِها، ومَا نَنَامُ لَيْلَنَا أَحْمَع، وصَبِيَّنَا لَا يَجِدُ فِي ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ، وَلَا فِي شَارِفنَا مَا يُغَذِّيهِ. والشَّارِفُ: النَّاقَةُ الكَبِيرَةُ السِّنِّ، أَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَاكِ لِكِبَرِهَا. ومَا عَلِمْتُ امْرَأَةً إِلا عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ [112] اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَأْبَاهُ، إِذَا قِيلَ: يَتِيم. وأَخَذَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ رَضِيعًا غَيْرِي فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ، فَقُلْتُ لِزَوْجِي: إِنِّي واللهِ لَأَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ صَوَاحِبِي بِرُضِعٍ غَيْرِي، فَوَاللهِ لأخُذَنَّ ذَلِكَ الْيَتِيمَ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا بِهِ مُدْرَجٌ فِي ثَوْبِ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ يَفُوحُ مِنْهُ الْمِسْكُ، وتَحْتَهُ حَرِيرَةٌ حَضْرَاءُ، رَاقِدٌ عَلَى قَفَاهُ، يَغُدُّ؛ أَيْ: فَأَشْفَقْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ لِحُسْنِهِ وجَمَالِهِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ رُوَيْدًا فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى صَدْرِهِ فتَبَسَّمَ ضَاحِكًا، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ يَنْظُرُ إليَّ، فَخَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ نُورٌ حَتَّى دَخَلَ خِلَالَ السَّمَاءِ، وَأَنَا أَنْظُرُ فقَبَّلْتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وأَعْطَيْتُهُ تَدْبِي الأَيْمَنَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَحَوَّلْتُهُ إِلَى الْأَيْسَرِ فَأَبَى، وَكَانَتْ تِلْكَ حَالُهُ بَعْدُ أَي أَلْهَمَهُ اللهُ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا، وأَلْهَمَهُ الْعَدْلَ. قالتْ: فَرَوَى وَرَوَى أَخُوهُ، ثُمَّ أَخَذْتُهُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ حِفْتُ بِهِ رَحْلِي فَقَامَ صَاحِبِي؛ تَعْنِي زَوْجَهَا، إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا إِنَّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مَا شَرِب وَشَرِبْتُ حتَّى رَوِينَا، وبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. فَقَالَ صَاحِبِي: يَا حَلِيمَةُ واللهِ إِنِّي لَأَرَاكِ قَدْ أَخَذْتِ نسمةً
صوف،
،
(1) ينظر: المواهب اللدنية، القسطلاني، 150/ 1.
(2) الأبيات من الكامل، والقصة في شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 264/ 1.
(3) أضاف المؤلف هذه القصة والنقلين المواليين على هامش طويل، وكأنه اطلع عليها بعد أن كتب هذه الورقة، بدليل أن نقله متواصل من كتاب
المواهب، وهذه القصة والنقلان كله من شرح المواهب.
(4) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 265/ 1.
(5) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 265/ 1، والاستيعاب، ابن عبد البر، 1813/ 4.
306