الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٨مبَارَكَةً، أَلَمْ تَرَيْ مَا بِتْنَا بِهِ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَيْرِ والبَرَكَةِ حِينَ أَخَذْنَاهُ، فَلَمْ يَزَلَ اللهُ يَزِيدُنَا خَيْرًا (1). وفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا نَظَرَ صَاحِبِي إِلَى هَذَا قالَ لي: اسْكُتِي وَاكْتُمِي أَمْرَكِ، فَمِنْ لَيْلَةِ وُلِدَ هَذَا الغُلَامُ أَصْبَحَت الأَحْبَارُ قُوَّامًا عَلَى أَقْدَامِهَا، لَا يَهْنَؤُهَا عَيْشُ النَّهارِ وَلَا نَوْمُ اللَّيْلِ (2). فَوَدَّعَت النِّسَاءُ بَعْضَهُنَّ بَعْضًا. ووَدَّعَتْ أُمَّ النَّبِي الله ثُمَّ رَكِبْتُ أَتَانِي وَأَخَذْتُ مُحَمَّدًا بَيْنَ يَدَيَّ فَنَظَرْتُ إِلَى الأَتَانِ وقَدْ سَجَدَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ ثَلاثَ سَجْدَاتٍ ورَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ مَشَتْ حَتَّى سَبَقَتْ دَوَابَّ النَّاسِ، وصَارَ النَّاسُ يَتَعَجَّبونَ مِنِّي، وتَقُولُ النِّساءُ وهُنَّ وَرَائِي: يَا بِنْتَ أَبِي ذؤيب، هَذهِ أَتَانُكِ التِي كُنْتِ عَلَيْهَا وأَنْتِ جَائِيَةٌ مَعَنَا تَخْفِضُكِ مَرَّةً وَتَرْفَعُكِ أَخْرَى؟ فَأَقُولُ: تَاللهِ إِنَّهَا هِيَ. فيَتَعَجَّبْن مِنْهَا (3) وَيَقُلْنَ: إِنَّ لَهَا لَشَأْنَا عَظِيمًا. وَكُنْتُ أَسْمَعُ أَتَانِي تَقُولُ: وَاللهِ إِنَّ لِي لَشَأْنَا ثُمَّ شَأْنَا، بَعَثَنِي اللهُ بَعْدَ مَوْتِي، وَردَّ لِي سِمَنِي بَعْدَ هُزَالِي، ويْحَكُنَّ يَا نِسَاءَ بَنِي سَعْدٍ، إِنَّكُنَّ لَفِي غَفْلَةٍ، وَهَلْ تَدْرِينَ مَنْ عَلَى ظَهْرِي؟ خَيارُ النَّبِيئِينَ وسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، وخَيْرُ الأَوَّلِينَ، والآخِرِينَ، وَحَبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (4). والنَّسْمَةُ: الشَّخْصُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وسَجَدَت الأَتَانُ شُكْرًا بِإِلْهامِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَ. وفِي كَوْنِ السُّجودِ ثَلاثًا إِشَارَةٌ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ
للهِ تَعَالَى، وإلا فالشُّكْرُ حَصَلَ بوَاحِدَةٍ، وَزَادَتْ مَا يَكُونُ السُّجودُ بِهِ وثرًا لِلتَّوْحِيدِ، وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا لِلسَّماءِ دُعَاءَ أَنْ يُوصِلَ اللهُ نَبِيئَهُ [112] بلادَهَا مُسْتَرِيحًا عَلَيْهَا. واللهُ أَعْلَمُ.
ورَقَدَ عَلَى قَفَاهُ: لِلْمُشَاهَدَةِ لِمَا يَنْزِلُ ولِلْوَحْي بَعْدُ، وَكَذَا الصَّالِحُونَ الْمُشَاهَدَةِ، ورُقَادُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْيَمِينِ لِيَتَعَلَّقَ القَلْبُ فَلَا يَسْتَغْرِقَ فِي النَّوْمِ، ورُقَادُ الْحُكَماءِ علَى الْأَيْسَرِ لِلْإِسْتِرَاحَةِ، وَالرُّقادُ عَلَى الْوَجْهِ رُقُودُ الشَّيَاطِينِ. قالَتْ: وقَدِمْنَا مَنَازِلَ بَنِي سَعْدٍ
ولَا نَعْلَمُ أَرْضًا أَحْدَب مِنْهَا، وَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَى حِينٍ قَدِمْنَا بِهِ شُبَّاعًا لُبَنًا، فَنَحْلِبُ ونَشْرَبُ وَمَا يَحْلِبُ إِنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ وَلَا يَجِدُهَا فِي ضِرْعٍ. حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعِيَانِهِمْ: اسْرحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي غَنَمِ بنت أبي ذؤيب. فتَرُوحُ أَعْنَامُهُمْ جِياعًا مَا
أَغْنَامِي شَبَاعًا لبنا (5).
تَبِضُ بقطرَةِ لَبَنِ، قالَتْ حَلِيمةُ: لَقَدْ كانَ رَسُولُ اللهِ لا ولا يَمُسُّ ضَرْعَ شَاةٍ لَنَا، يُقَال لها ضلال، فَمَا يطلب مِنْهَا
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 151/ 1.
(2) (م، س)، 152/ 1.
(3) في الأصل: منه
(4) المواهب اللدنية، القسطلاني، 152/ 1 - 153.
(5) (م، س)، 153/ 1.
307