الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٩لَبَنَ سَاعَةٍ مِنَ السَّاعَاتِ إِلا حَلَبَتْ صَبوحًا وعَبُوقًا، ومَا عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ تَأْكُلُهُ دَابَّةٌ (1). وَهذَا أَوَّلَ الْأَمْرِ، ثُمّ عمَّ الْخَيْرُ بَنِي سَعْدٍ لِيَعْلَمَ العَاقِلُ أَنْ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا زَالَتْ مَوَاشِي حَلِيمَةَ تَنْمُو ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ لِبَنِي سَعْدٍ.
لَقَدْ بَلَغَتْ بِالْهَاشِمِي حَلِيمَةٌ مَقَامًا عَلَا فِي ذِرْوَةِ الْعِزِ وَالْمَجْدِ وَزَادَتْ مَوَاشِيهَا وَأَخْصَبَ رَبْعُهَا وَقَدْ عَمَّ هَذَا السَّعْدُ كُلَّ بَنِي سَعْدِ (2) وكانت تَقُولُ فِي تَرْقِيصِهِ:
يَا رَبِّ إِذْ أُعْطِيتُهُ فَأَبْقِهِ وَأَعْلِهِ إِلَى الْعُلُا وَأَزْقِهِ وَادْحِضْ أَبَاطِيلَ الْعِدَا بِحَقِّهِ (3)
وكانت الشَّيْمَاءُ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ تَحْضُنُه وتُرَقِّصُهُ وتَقُولُ:
هَذَا أَخٌ لِي (4) لَمْ تَلِدُهُ أُمِّي وَلَيْسَ مِنْ نَسْل أَبِى وَعَمِّي
فُدِيتُهُ مِنْ مُحْوِلٍ مُعِمّي فَأَنْمِهِ اللَّهُمَّ فِيمَا يُنمي
والمُخول والْمُعِمّ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الوَاوِ والعَيْنِ الْحَيِّدُ الحَالِ والجَيِّدُ الْعَمّ. وقالَتْ في رَسُولِ اللهِ حِينَ كَانَ عِنْدَهَا:
(5)
يَا رَبَّنَا أَبْقِ لَنَا مُحَمَّدًا حَتَّى أَرَاهُ يَافِعًا وَأَمْرَدًا ثُمَّ أَرَاهُ سَيِّدًا مُسَوَّداً وَاكْبِتْ أَعَادِيهِ مَعًا وَالْحَسَدا وَأَعْطِهِ عِرًّا يَدُومُ أَبَدا (6)
قال العباس بن عبد المطلب: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: دَعَانِى إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِكَ أَمَارَةٌ لِنُبُوءَتِكَ، رأَيْتُكَ فِي مَهْدِكَ تُنَاغِي القَمَرَ وتُشِيرُ إِلَيْهِ بِإِصْبِعِكَ، فَحَيْثُ أَشَرْتَ إِلَيْهِ مَالَ. قَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أُحَدِّثُهُ ويُحَدِّثُنِي ويُلْهِينِي عَن الْبُكَاءِ، أَسْمَعُ وَجْبَتَهُ حِينَ يَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ)) (7). والتَّنَاغِي: مَا يُشْبِهُ مِنَ الصَّبِيِّ الكَلَام قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ ونَاغَتْهُ أُمُّهُ: لا طَفَتْهُ بالمَحَادَثَةِ والمَلَاعَبَةِ.
(1) ينظر: تاريخ ابن الوردي، 99/ 1.
(2) البيتان من الطويل، المواهب اللدنية، القسطلاني، 153/ 1 دون نسبة كأنهما من
نظمه.
(3) الأبيات من مشطور الرجز. المواهب اللدنية، القسطلاني، 153/ 1. نقلا من كتاب "الترقيص" لأبي عبد الله محمد بن المعلى الأزدي.
(4) المواهب اللدنية: أخَيّ.
(5) الأبيات من الرَّجَز. المواهب اللدنية، القسطلاني، 154/ 1.
(6) الأبيات من مشطور الرَّجز. الإصابة، ابن حجر، 733/ 7. وشرح المواهب، الزرقاني، 275/ 1،
(7) البيهقي وغيره، دلائل النبوة، 41/ 2.
308