الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣١٨مِمَّا فَضَّلَهُ اللهُ بهِ وأَكْرَمَهُ قالَ:
ولَيْسَ إِحْيَاؤهُما وإِيمَانُهُما مُمْتَنِعًا عقلا ولا شرعًا، ولَقَدْ وَرَدَ فِي الكتابِ العَزِيزِ إِحْيَاءُ قَتِيلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وإِخْبارُهُ (1) بقَاتِلِهِ. وكان عِيسَى ال يُحيي الموتى، وَكَذَلِكَ نَبِيتُنَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أَحْيَى اللهُ عَلى يَدِهِ جَمَاعَةً مِنَ الْمَوْتَى، وإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَا يَمْنَعُ إِيمانهما بَعْدَ إِحْيَائِهِما ويكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي كَرَامَتِهِ وفَضِيلَتِهِ (2).
قُلْتُ: يَنَاسِبُهُ قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا (3)؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ أَنَّ الْمَوْتَى بَعْدَ رُجوعِهِم إِلَى الدُّنْيَا لَوْ رَجَعُوا يَكُونُونَ كحَالِهِمْ فِيهَا قَبْلَ المَوْتِ فِي الخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الآخِرَةِ وأَحْوَالِها. وأَبَوَاهُ إِنْ أَحْيَاهُما اللهُ فَقَدْ آمَنَا وقَبِلَ إِيمَانَهما؛ لِأَنَّهُما وَلَوْ بَقِيَا فِي الْقَبْرِ لكنَّهُمَا كَالخَارِجِ فَقَدْ عادًا إِلى الحَيَاةِ، وحَرَقَ الله المعْتَادَ بِقبُول إيمانِهِما، وإِنَّما الإِيمَانُ الذِي لَا يُقْبَلُ مَا كَانَ بِلَا إِحْيَاءٍ لِلْإِيمَانِ، بَلْ كَانَ بِمجَرَّدِ العيانِ لِلْآخِرَةِ، فهُما بَعْدَ مَا عَايَنَا آمَنَا اضْطِرَارًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُما كما يَصْدُرُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ بَعْدَ الْمَوْتِ ولَا يَنْفَعُ. ولمَّا أَحْيَاهُما اللهُ لِلْإِيمانِ فآمنَا أَجْزَاهُما. وهَذَا بَيِّنٌ وَلَمْ يَظْهَرُ لِقَوْمِنَا وَلَا عَرَجُوا عَلَيْهِ وَلَكِنْ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَنَا إِحْيَاءُهُما وإيمَانُهُما واللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. قال القُرْطُبِي: وقَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ كَافِرًا إلخ، مَرْدُودٌ بِمَا رُوِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَدَّ الشَّمْسَ عَلَى نَبِيهِ
بَعْدَ مَغِيبِهَا ذَكَرَهُ الطَّحاوي (4)، وقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ (5).
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِي صَحِيحٌ لَا مُضْطَرِبٌ (6).
قالَ القُرْطُبِيّ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُ الشَّمْسِ نَافِعًا، ولَمْ يَكُنْ يَتَجَدَّدُ بِهِ الْوَقْتُ لَمَّا رَدَّهَا (7). والله تعالى أَعادَ مَعَهُما الزَّمانَ الأَوَّلَ الذِي كَانَا كَافِرَيْنِ فِيهِ، وعَلَى هَذَا يَنْفَعُهُما الإِيمَانُ بِخِلَافِ مَنْ أُحْيِي، ولَمْ يَعُدْ مَعَهُ الزَّمَانُ الذِي كَانَ فِيهِ كَافِرًا، فَنَفَعَهُما إِيمَانُهُمَا.
واحْتَجَّ بَعْضُ عَلَى نَجَاتِهِمَا بِأَنَّهُمَا مَاتَا قَبْلَ الْبِعْثَةِ فِي زَمن الْفَتْرَةِ، ولَا تَعْذِيبَ قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
15
(9) (8) ،
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (98).
(1) في الأصل: وإحيائه والتصحيح من المواهب.
(2) المواهب اللدنية، القسطلاني، 173/ 1، عن القرطبي في التذكرة، ص 140.
(3) سورة الأنعام: 28.
(4) أبو جعفر الطحاوي: سبقت ترجمته.
(5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 173/ 1، وشرح مشكل الآثار، الطحاوي، 142/ 1.
(6) لم أجد النقل في فتح الباري.
(7) المواهب اللدنية، القسطلاني، 173/ 1، وشرح مشكل الآثار، 142/ 1.
(8) سورة الإسراء: 15.
(9) المواهب اللدنية، القسطلاني، 174/ 1.
317