الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٠قلْنَا: بَكينا لبُكَائِكَ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ الذِي جَلَسْتُ إِلَيْهِ قَبْرُ آمِنَةً، وإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا، فَأَذِنَ لِي وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُهُ فِي الدُّعاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي. وأَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ: مَا كَانَ لِلنَّي، وَالذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبى (1) فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الوَلَد لِلْوَالِدِ)) (2). وكَذَا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ (3). وفِي رِوَايَةٍ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَها فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكَّرُ الآخِرَةَ)) (4).
قال عياض: بُكَاؤُهُ اللهِ عَلَى مَا فَاتَها مِنْ إِدْرَاكِ أَيَّامِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ (5).
ورُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ أَبِي؟ قال: فِي النَّارِ، فَلَمَّا قَفَا دَعَاهُ قَالَ: إِنَّ أَبِي وأَبَاكَ فِي النَّارِ)) (6). وصححوا أنَّ الرِّوايةَ أَنَّهُ دعاه فعادَ إِليهِ فَقالَ: ((إِذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ) (7). قال
النووي: مَنْ مَاتَ مُشْرِكَا فَهُو فِي النَّارِ وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ (8). قالَ الْفَحْرُ: مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا فهُوَ فِي النَّارِ ولَوْ قَبْلَ الْبِعْتَةِ، ولَمْ يَزَلْ قُبْحُ الشِّرْكِ مَعْلُومًا مِنْ دِينِ الرُّسُلِ، والعِقَابُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا، فَلَلَّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا ما فَطَرَ اللهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنْ تَوْحِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ (9).
وهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ عَقْلِيَّةٌ، وفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عُذْرِ أَهْلِ الفَتْرَةِ فِي تَفصِيلِ الشَّرْعِ إِذَا لَمْ يَجِدُوا مَنْ يُعَلِّمُهُم، وقَطْعِ عذرِهِمْ فِي جَهْلِ التَّوْحِيدِ والرَّاحِحُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أَنَّهَا نَظَرِيَّةٌ ومَن بَلَغَتْهُم الدَّعْوَةُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ، وَهِيَ مَا بَيْنَ اضْمِحْلَالِ عِلْمٍ نَبِيءٍ إِلَى مُحَدِّدٍ مِنْ نَبِيءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ مَا بَيْنَ الرَّسُولَيْنِ بَعْدَ الاضْمِحْلَالِ، كَالْفَتْرَةِ بَيْنَ نُوحٍ وهُودٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَبَيْنَ عِيسَى وَنَبِيئِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا.
قال سلمان: الْفَتْرَةُ بَيْنَهُما سِتْ مِئَةٍ سَنَةٍ (10).
(1) سورة التوبة: 113.
(2) ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، 1893/ 6.
(3) المواهب اللدنية، القسطلاني، 176/ 1، عن الطبراني دون ذكر المصدر. (4) صحيح مسلم، حديث (976)، المواهب اللدنية، القسطلاني، 176/ 1. (5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 176/ 1.
(6) صحيح مسلم حديث (203).
(7) الروض الأنف، السهيلي، 121/ 2، والمعجم الكبير، الطبراني، حديث (326). (8) المواهب اللدنية، القسطلاني، 177/ 1. المنهاج، النووي، ص 241.
(9) المواهب اللدنية، القسطلاني، 177/ 1.
(10) (م، س)، 178/ 1، عن البخاري، حديث (3948).
319