الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢١ودَلَّتِ القَوَاطِعُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَعْذِيبَ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ. فَقُلْنَا: قَامَتْ عَلَى أَهْلِ الفَتْرَةِ لِتَقَدُّمِ الكِتَابِ والرَّسُولِ، فَإِمَّا بِحُصُولِ مُنَبِّهِ مِنْ مَلَكِ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، فَيَقُولُ الخَصْمُ مَا ذَاكَ؟ يَفْتَرِي لِلْوُصولِ وإِمَّا تقليدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى [116] لِيْلًا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (1) فيقولُ الخصم: المَعْنَى بَعْدَ إِخْبَارِ الرُّسُلِ، وأَهْلُ الْفَتْرَةِ لَمْ يَبْلُعَهُمْ خَبَرُ الرَّسولِ. وإِمَّا بِتَعْذِيبِ أَهْلِ الفَتْرَةِ الوَارِدِ فِي الآثارِ، فإِذا ثَبَتَ هَذَا التَّعْذِيبُ رجَعْنَا بِهِ إِلَى تَفْسِير الآيَةِ بِأَنَّ الرُّسُلَ حُجَّةٌ عليْهِمْ وَلَوْ لَمْ تَبْلُغُهُمْ أَخبَارُهُم، ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: رَأَيْتُ عَمْرُو بْنَ لُحَيَّ فِي النَّارِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ) (2) و ((رَأَيْتُ صَاحِبَ الْمِحْجَنِ فِي النَّارِ، وهُوَ الذِي يَسْرِقُ الْحُجَّاجَ بِمِحْجَنِهِ فَإِذَا بُصِر بِهِ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي)) (3) والقُصْبُ: الْمَصَارِين. وَفِي رِوَايَةٍ: ((رَأَيْتُ عَمْرو بنَ لُحَيَ يَجُرُّ مَصَارِينَهُ فِي النَّارِ كُلُّ مَصْرَانِ كَجَبَلٍ عَظِيمٍ، وَالْمَلَائِكَةُ تَضْرِبُهُ، فَإِذَا قَامَ وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ في النَّارِ)) (4).
وإن قيلَ: هَذِهِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا تُعارِضُ الْقَطَّعَ قُلْنَا: أَخبَارُ آحَادٍ تُفَسِّرُهُ وَلَا تُعَارِضُهُ. وَإِنْ قِيلَ: يَقْصُر التَّعْذِيبُ عَلَى مَنْ وَرَدَ فِيهِ. قُلْنا: الأَصْلُ عَدَمُ الخُصُوصِيَّةِ. وإِنْ قِيلَ: يَقْصِرُ عَلَى مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وغَيَّرَ الشَّرائِعَ. قُلْنَا: لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ.
وقَسَّمَ بَعْضُ قَوْمِنَا (5) أَهْلَ الْفَتْرَةِ عَلَى ثَلاثَةِ: الأَوَّل مَنْ أَدْرَكَ التَّوحِيدَ ببَصِيرَتِهِ ولَمْ يَدْخُلْ في شريعة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل، أَوْ دَخَلَ فِي شَرِيعَةِ حَقٌّ قَائِمَةِ الرَّسْمِ كَتُبَّعَ وَقَوْمِهِ مِنْ حمير، وأَهْلِ نَحْرانَ ووَرَقَةَ بن نَوْفَل وعَمِّهِ عَثْمَانَ بنِ الْحُوَيْرِث.
والثَّانِي: مَنْ بَدَّلَ ولَمْ يُوَحّدْ وأَشْرَكَ، شَرعَ لِنَفْسِه فَحَلَّلَ وحَرَّمَ وهُم الأَكْثَرُ كَعَمْرُو بنُ لُحَيَ أَوَّل مَنْ سَنَّ لِلْعَرَبِ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ وشَرَعَ الأَحْكامَ، فَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ وسَيَّب السَّائبةَ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ وحَمَى
الْحَامِي.
الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُوَسِّدٌ ولَمْ يَجعَلْ غَيْرَ اللهِ إِلَهًا، ولَمْ يَدْخُلْ فِي دِينِ نَبِيءٍ وَلَمْ يَعْبُدُ صَنَمًا أَوْ
غَيْرَهُ، وَلَمْ يَخْتَرِعْ دِينًا بَلْ بَقِيَ عُمُرَهُ عَلَى حَالِ غَفْلَةٍ.
(1) سورة النساء: 165.
(2) البخاري، حديث (3521).
(3) مسلم، حديث (904).
(4) لم أقف على الرواية في مصادر الحديثِ.
(5) ذكر هذه التقسيمات القسطلاني في المواهب اللدنية، 179/ 1–180.
320