الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٣وعَنْ جُلهُمة بن عُرفُطة: قَدِمْتُ مَكَّةَ وهُمْ فِي قَحْط. فَقَالَ قَائِلٌ: اعْمِدُوا اللَّاتِ والعُزَّى. وقَالَ
قَائِلٌ: اعْمِدُوا مَنَاة. وقَالَ شَيْخُ وَسِيمٌ حَسَنُ الْوَجْهِ جَيِّدُ الزِّيِّ: أَنَّى تُوفَكُونَ وَفِيكُمْ بَقِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَسُلَالَةٌ إِسْمَاعِيلَ. قالُوا: عَنِيتَ أبَا طَالِبٍ قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ جَمِيعًا فَدَقُوا عَلَيْهِ الْبَابَ (1). فَقَالَتْ قَرَيْش: يَا أَبَا طَالِب أَقْحَطَ الْوَادِي وأجْدَبَ الْعِيَالُ فَهَلُمَّ فَاسْتَسْقِ. فَخَرَجَ أَبُو طَالِبٍ ومَعَهُ غُلَامٌ كَأَنَّهُ شَمْسُ دَجْنِ (2) تَجَلَّتْ عَنْهُ سَحَابَةٌ وَحَوْلَهُ أَغَيْلِمَةٌ (3)، فَأَخَذَهُ أبُو طَالِبٍ فَأَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِالْكَعْبَةِ، وَلَادَ الْغُلَامُ بِإِصْبِعِهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، فَأَقْبَلَ السَّحابُ مِنْ هَا هُنَا وهَا هُنَا، وأَغْدَقَ واغْدَوْدَقَ وَانْفَجَرَ لَهُ الْوَادِي وأَخْصَبَ النَّادِي والبَادِي. وفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو طَالِب:
وأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
مِنْ قَصِيدَةٍ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ بَيْتًا اطَّلَعْتُ مِنْهَا عَلَى جُلّها وَلَمْ أُتِمَّهَا.
قال ابن إسحاق: هِيَ ثَلَاثَةٌ وثَمَانُونَ بَيْتًا، وقَالَ غَيْرُهُ: مِئَةٌ وَعَشَرَة، وقِيلَ: زَادَ فِيهَا النَّاسُ حَتَّى إِنَّ الأَصْمَعِي سَأَلَ محمّد بن سلام: أَتَدْرِي مُنْتَهَاهَا؟ قَالَ: لَا (4).
وَقِيلَ: هذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ جُلْهُمَةَ بَاطِلٌ.
وفي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بنُبُوءَةِ رَسُولِ اللهِ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الْبِعْثَةِ لِخَبَرِ بحيرى وغَيْرِهِ (5). وقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هَذَا الشَّعْرُ بَعْدَ بَعْثِهِ، وجَاءَتْ مَعْرِفَةُ أَبِي طَالِب بِنُبُوءَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَتَمَسَّكَ بِهَا الشِيعَةُ فِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ (6). والزُّبَيْر أَيْضًا شَقِيقُ عَبْدِ اللهِ، ولَكِنْ خَصَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَبَا طَالِبٍ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ سِنَّا. وَقِيلَ شَارَكَهُ
الزُّبَيْرُ أَيْضًا فِي كَفَالَتِهِ الهلال بلا إيصاء، ولَكِنْ خَصُّوا أَبَا طَالِبٍ بِالذِكرِ لِطُولِ حَيَاتِهِ. وأَمَّا أَنْ يُقالَ كَفَلَهُ الرُّبِيرُ حَتَّى ماتَ ثُمَّ كَفَلَهُ أَبُو طَالِبٍ فَلَا يَصِحُ لِمُنَافَاتِهِ الوَصِيَّةَ لِأَبِي طَالِبٍ، ولِأَنَّ الرُّبيرَ شَهِدَ حِلْفَ الفُضُولِ وَلِلنَّبي الله نَيْفٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وأَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّهُ شَخَصَ مَعَ أَبِي طالِبِ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَقَلّ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، فَأَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي كَفَلَهُ (7).
(1) العبارة: "فقال قائل … الباب " أضافها المؤلف على الهامش، وقد نقلها من شرح المواهب.
(2) الدَّجْنُ ظلُّ الغيم في اليوم المطير. لسان العرب (دجن).
(3) قيل: [الغلامُ] هو من حين يولد إلى أن يشيب والجمع أَغْلِمَةٌ وغِلْمَةٌ وغِلْمَانٌ ومنهم من استغنى بِغِلْمَةٍ عن أَغْلِمَةٍ وتصغير العِلْمة أُغَيْلِمَةٌ. لسان العرب (غلم).
المواهب اللدنية، القسطلاني، 184/ 1 - 185، نقلا عن ابن عساكر دون ذكر المصدر، ولم أجده في تاريخ دمشق له. (4) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 358/ 1. أضاف المؤلِّفُ هذه العبارة على الهامش. ينظر: طبقات فحول الشعراء، 244/ 1. (5) المواهب اللدنية، القسطلاني، 186/ 1.
(6) (م، س)، 186/ 1. فتح الباري 496/ 2. لم أقف على قول ابن إسحاق في السيرة.
(7) شرح المواهب، الزرقاني، 354/ 1، وتاريخ الخميس، الديار بكري، 253/ 1.
322