الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٤وكانَ عِيَالُ أبي طَالِب إِذَا أَكَلُوا لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا أَكَلَ الهلال مَعَهُم شَبِعُوا. وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا حَضَرَ
الطَّعامُ قال: اثْبُتُوا حَتَّى يَجِيءَ وَلَدِي، وَكَانَ [117 ظ] إِذَا شَرِبَ أَوَّلًا مِنْ قَعْبِ وَشَرِبُوا مِنْهُ كَفَاهُمْ، فيَقُولُ أبو طَالِبٍ: إِنَّكَ لَمُبَارَكٌ، وإِنْ كانَ أَحَدُهُم لَيَشْرَبُ قَعْبًا وَحْدَهُ (1).
وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا لا يُحِبُّهُ أَوْلَادَهُ، وَلَا يَنَامُ إِلَّا إِلَى جَنْبِهِ وَيَخْرُجُ بِهِ مَتَى خَرَجَ، وإِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ تَطَاوَلَتْ إِلَيْهِ أَيْدِي الصَّبْيَانِ ويَقْصُرُ يَدَهُ تَكَرُّمًا واستِحْيَاءً ونزَاهَةً وقِنَاعَةً ويُصْبِحُونَ غُمْصا (2) رُمْصًا، مُصْفَرَّةَ الوُجُوهِ مِنْهُمْ، ويُصْبِحُ صقِيلًا دَهِينًا، كَأَنَّهُ في أَنْعَمِ عَيْشٍ وَأَعَزّ كِفَايَةٍ لُطْفًا مِنَ
الله به (3).
وَاسْمُ أَبِي طَالِبٍ عَبْدُ مَنَافِ، وَشَدَّ قَوْلٌ بِأَنَّهُ عِمْرَان، بَلْ هُوَ قَوْلُ الرافضة، وَأَوَّلُوا بِهِ قَوْلَهُ: إِنَّ الله اصطفى ءَادَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَالَ عِمْرَانَ (4) وَهُوَ بَاطِلٌ، وتَوَاتر الأَخْبَارِ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُه (5).
وأُمُّ أَيْمَنَ المُذْكُورِ حَبَشِيَّةٌ وَاسْمُها بَرَكَة، وأَيْمَنُ وَلَدُهَا، وهُوَ ابْنُ عبيد الخزرجي، مَاتَ يَوْمَ حُنَيْن شَهِيدًا، وَكَانَ لَهَا إِدْلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وكَانَ أَبُو بَكْرٍ وعُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَزُورَانِها بَعْدَهُ. وَكَانَتْ تَبْكِي وَتَقُولُ: أَنَا أَبْكِي لِخَبَرِ السَّمَاءِ كَيْفَ انْقَطَعَ عَنَّا (6). وَلَمَّا هَاجَرَتْ أُمُّ أَيْمَنَ مِنْ مَكَّةَ أَمْسَتْ بِالْمنصرف، دُونَ الرَّوْحَاءِ، فَعَطِشَت فَدُلِّيَ عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ دَلْوَ بِحَبْلٍ أَبْيَضَ، فَأَخَذَتْهُ فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوِيَتْ قَالَتْ: كانَ لا يُصِيبُنِي بَعْدَ ذَلِكَ عَطَشُ وَأَنَا أَصُومُ مِنَ الْهَوَاجِرِ (7). ورُوِيَ أَنَّ عبد المطَّلِبِ قَالَ لِأُمِّ أَيْمَنَ لَا تَغْفَلِي عَن ابْنِي، وإِنِّي وَجَدْتُهُ مَعَ غِلْمَانٍ قَرِيبًا مِنَ السّدْرَةِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُولُونَ إِنَّهُ نَبِيءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ (8).
(1) شرح المواهب، الزرقاني، 354/ 1 بتصرف.
(2) في الأصل عمصا، وهكذا ذكرها الزرقاني، وقد نقلها من غريب الحدِيثِ لابن قتيبة، وفيه: "غمصاً، والغُمص والرمص واحد، وهو الغَمَص في
العين". غريب الحديث، 381/ 1. ومنه يظهر خطأ النقل.
وفي لسان العرب: قيل الغَمَصُ ما سالَ والرَّمَصُ ما جَمَدَ، وقيل هو شيء تَرْمي به العين مثل الزَّبد. (غمص).
(3) شرح المواهب، الزرقاني، 355/ 1 بتصرف.
(4) سورة آل عمران: 33.
(5) فتح الباري، ابنُ حَجَر، 194/ 7.
(6) حلية الأولياء، أبو نعيم، 68/ 2.
(7) تاريخ المدينة، ابن شبة، 497/ 2.
(8) طبقات ابن سعد، 97/ 1.
323