الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٥وأَمَّا قُسُ بنُ سَاعِدَةَ الإِيَادِي فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِالْبِعْتَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَوَّلُ مَن اتَّكَاً على الْحُطْبَةِ، وأَوَّلُ مَنْ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فِي قَوْلِ، وأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ مِن فُلان إِلَى فُلان، وعَاشَ
عَصَا فِي
ثَلَاثَ
مِئَةٍ وثَمَانِينَ سَنَةً، وقِيلَ: سِتُّ مِئَةٍ، وَكَانَ خَطِيبًا حَكِيمًا عَاقِلًا لَهُ نَبَاهَةٌ وفَضْلٌ (1). وكانَ يَخْطُبُ في عكاظ وقَالَ: سَيعْلَمُ حَقٌّ مَنْ هَذَا الوَجْهِ، وأَشَارَ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ، وَقَالُوا: مَا هَذَا الْحَقُّ؟ قالَ: رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ لؤي بن غالب، يدْعُوكُمْ إِلَى الْإِخْلَاص وعَيْشِ الْأَبَد ونَعِيمٍ لَا يَنْفَدِ، فَإِنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوه، ولَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أَعِيشُ إِلَى بَعْثِهِ لَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ (2).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ: ((رَحِمَ اللهُ قُسَّا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ تَكَلَّم بِكَلَامِ لَهُ حَلَاوَةٌ لَا أَحْفَظُهُ، فَقَالَ بَعْضُ قَوْمِهِ نَحْنُ نَحْفَظُهُ، فَقَالَ: هَاتُوا، فَذَكَرُوا حِكْمَتَهُ الْمَشْحُونَةَ بِالْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ)) (3).
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ: ((كَأَنِّي) أَنْظُرُ إِلَيْهِ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقِ، تَكَلَّمَ بِكَلامٍ لَا أَحْفَظُهُ، فَقَالَ أبُو بَكْر أَنَا أَحْفَظُهُ، قَالَ: أُذْكُرْهُ، فَذَكَرَهُ)) (4).
وَرَوَى
أَنَّهُ لمَّا قَدِمَ بكر بن وائل علَى النَّبِي الهلال قالَ لَهُمْ: مَا فَعَلَ قُنُ بنُ سَاعِدَةَ الإِيَادِي؟ صلى الله عليه وسلم قالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم [118 و] قالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي سُوقِ عُكَاظُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَر)) (5). قال الجاحظ: [لِقُ وقَوْمِهِ فَضِيلَةُ) (6) لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَوَى كَلَامَهُ ومَوْقِفَهُ عَلَى جَمَلِهِ بِعُكاظ ومَوْعِظَتَهُ، وعجبَ مِنْ حُسْنِ كَلَامِهِ، وأَظْهَرَ تَصْوِيبَهُ، وهَذَا شَرَفٌ (7) تَعْجِرُ عَنْهُ الْأَمَانِي وتَنْقَطِعُ دُونَهُ الْآمَالُ، وإِنَّما وَفَّقَ اللهُ لِذَلِكَ قُسًا لِتَوْحِيدِهِ وإِظْهَارِهِ الإِخْلَاص، وإِيمَانِهِ بِالْبَعْثِ، ومِنْ ثَمَّ كَانَ قُسَ خَطِيبَ الْعَرَبِ قَاطِبَةً (8).
ورُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ جَمَاعَةً مِنْ عَبْدِ القَيْسِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَعْرِفُ لَنَا قُسَّا؟ فَقَالُوا: كلُّنَا يَعْرِفُهُ يا رَسُولَ اللهِ، فَقَامُوا واحِدًا بعْدَ وَاحِدٍ يَذْكُرُ مَا رَأَى مِنْهُ، أَوْ سَمِعَ.
(1) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 342/ 1، عن المرزباني دون ذكر المصدر. (2) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 342/ 1، عن أبي نعيم في الدلائل، ولم أجده في المطبوع. (3) الموضوعات، ابن الجوزي، 214/ 1. (4) الإصابة، ابن حجر، 218/ 9.
منه.
(5) ابن حجر، الإصابة، 218/ 9، أخرجه عن عبد الله بن أحمد في زيادات الزُّهد، وشرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 343/ 1.
(6) في البيان والتبيين: لإيادٍ وتميم في الخُطب خصلة.
(7) في البيان والتبيين: إسناد.
(8) الإصابة، ابن حجر، 218/ 9، وينظر: البيان والتبيين، الجاحظ، 51/ 1.
324