الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٧قالَ: فَذَهَلْتُ عن الْبَعِير واكْتَنَفَنِي السُّرُور ولاحَ الصَّبَاحُ فتَرَكْتُ الْغور (1) وأَخَذْتُ فِي الْجَبَلِ فَإِذَا بِالْبَعِيرِ، فمَلَكْتُ خِطَامَهُ وعَلَوْتُ سَنَامَهُ، فمرح طَاعَةً وهَدَرَ (2) سَاعَةً، حَتَّى إِذَا تَعِبَ وَذَلَّ مِنْهُ مَا صَعُبَ، وحَمِيَت الوِسَادَةُ، وتَبَرَّدَت الْمَزَادَةُ لِلزَّادِ، فَبَرَكتُهُ فَبَركَ وأَذِنْتُ لَهُ فِي رَوْضَةٍ خَضِرَةٍ نَظِرَةٍ، فَجَعَلَ يَرْتَعِي أَنَّا وأَصِيدُ ضَبَّا، حتّى إِذَا أَكَلْتُ وَأَكَلَ ونَهَلْتُ وَنهَلَ وعَلَلْتُ وعَلَّ حَلَلْتُ عِقَالَهُ وَعَلَوْتُ جُلَالَهُ، وأَوْسَعْتُ مَجَالَهُ، يَسْتَبِقُ الرِّيحَ، ويَقْطَعُ عَرْشَ الشَّيحِ] (3)، حَتَّى أَشْرَفْتُ عَلَى وَادٍ وَشَجَرٍ، مِنْ شَجَرِ عَادٍ بِرَوْضَةٍ مُونِقَةٍ، فَدَنَوْتُ فَإِذَا أَنَا بِقُسَ بنِ سَاعِدَةَ فِي ظِلِ شَجَرَةٍ، بِيَدِهِ قَضِيبٌ مِن أَرَاكَ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، وَيَتَرَنَّمُ بِشِعْرِ:
يَا نَاعِي الْمَوْتِ وَالْمَلْحُودُ فِي جَدَثِ عَلَيْهِمُ مِنْ بَقَايَا بِرِّهِمْ خِرَقُ دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمًا يُصاحُ بِهِمْ فَهُمْ إِذَا نُبِّهُوا مِنْ نَوْمِهِمْ فَرَقُوا حَتَّى يَعُودُوا لِحَالٍ غَيْرِ حَالِهِمُ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا مَنْ قَبْلَهُمْ خُلِقُوا مِنْهُمْ عَرَاةٌ وَمِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِمُ مِنْهَا الْجَدِيدُ [118] وَمِنْهَا الْمَنْهَجُ الْخَلَقُ (4) قالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَإِذَا عَيْنٌ خَرَّارَةٌ فِي أَرْضِ خَوَّارَة، وَمَسْجِدٌ بَيْنَ قَبْرَيْنِ، وأَسدان عَظِيمَانِ يَلُوذَانِ بِه ويَتَمَسَّحانِ بِأَثْوَابِهِ، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْبِقُ صَاحِبَهُ إِلَى الْمَاءِ، فَتَبِعَهُ الْآخَرُ يَطْلُبُ الْمَاءَ، فَضَرَبَهُ بِالْقَضِيبِ الذِي فِي يَدِهِ، وقَالَ: ارْجِعْ حَتَّى يَشْرَبَ الذِي قَبْلَكَ. فَرَجَعَ ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَهُ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَانِ الْقَبْرَانِ؟ فَقالَ: هَذَانِ قَبْرَا أَخَوَيْنِ لي كَانَا يَعْبُدَانِ اللَّهَ تَعَالَى مَعِي في هَذَا الْمَكَانِ، لَا يُشْرِكَانِ بِاللهِ شَيْئًا، فَأَدْرَكَهُمَا الْمَوْتُ، وهَا أَنَا بَيْنَ قَبْرَيْهِمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِاللهِ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، وَقَالَ: خَلِيلَيَّ هُبَّا طَالَ مَا قَدْ رَقَدْتُمَا أَجِدِّكُمَا مَا تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي بِسَمْعَانَ مُفْرِدُ وَمَالِيَ فِيهَا مِنْ خَلِيلٍ سِوَاكُمَا؟ [وَ] أَبْكِيكُمَا طُولَ الْحَيَاةِ وَمَا الذِي يَرُدُّ عَلَى ذِي لَوْعَةٍ أَنْ يَكَاكُمَا؟ أَمِنْ طُولِ نَوْمِ لَا تُجِيبَانِ دَاعِيًا كَأَنَّ الذِي يَسْقِي الْمُدَامَ (5) سَقَاكُمَا كَأَنَّكُمَا وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ غَائِبِ (6) بِرُوحِيَ فِي قَبْرَيْكُمَا قَدْ أَتَاكُمَا
(1) في دلائل النبوة: الموراء، وفي تاريخ دمشق: المور.
(2) في دلائل النبوة وتاريخ دمشق: فهززته. (3) في دلائل النبوة وتاريخ دمشق: عرض الفسيح.
(4) الأبيات من البسيط في دلائل النبوة، البيهقي، 111/ 2، وتاريخ دمشق، ابن عساكر، 435/ 3.
(5) في دلائل النبوة وتاريخ دمشق: العُقار.
(6) في دلائل النبوة: غاية. والبيتُ ليس في تاريخ دمشق.
326