إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٢٩

وكَانَتْ حَلِيمَةُ بَعْدَ رُجُوعِهَا بِهِ مِنْ مَكَّةَ [119] لَا تَدَعُهُ أنْ يَذْهَبَ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَغَفَلَتْ

(1)

عَنْهُ يَوْمًا فِي الظَّهِيرَةِ، فَأَدْرَكَتْهُ معَ أُخْتِهِ كَمَا مَرَّ، وقَدْ أَخْبَرَتْها أَنَّهُ تَقِيهِ السَّحَابَةُ، فَقَالَتْ لَهَا أُمُّهَا: أَحَقَّا يَا بِنْتِي؟ قَالَتْ: إِي وَاللهِ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ مَا يُحْذَرُ عَلَى ابْنِي وَكَانَ ابْنُ عَبَّاس يَقُولُ: رَجَعَ إِلَى أُمِّهِ وهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ (2). وشَهُرَ. ولَمْ تَرَهُ حَلِيمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا مَرَّتَيْنِ إِحْدَاهُما بَعْدَ تَزَوُّجِهِ خَدِيجَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، جَاءَتْهُ تشْكُو السَّنَةَ، وَأَنَّ قَوْمَها قَدْ أَسْنَتُوا (3)، فَكَلَّمَ لَهَا خَدِيجَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَأَعْطَتْهَا عِشْرِينَ شَاةً وَبَكَرَاتٍ (4)، والْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ يَوْمَ حُنَيْن (5). واخْتَارَ السُّهَيْلِيّ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى أُمِّهِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَشهر (6). وذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاق: أَنَّ مِمَّا هَاجَ أُمَّهُ السَّعْدِيَّة عَلَى رَبِّهِ إِلَى أُمِّهِ، مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمِّهِ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْحَبَشَةِ نَصَارَى رَأَوْهُ مَعَهَا، حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، وسَأَلُوها عَنْهُ، وَقَبَّلُوهُ (7) ثُمَّ قَالُوا لَهَا لَنَأْخُذَنَّ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَنَذْهَبَنَّ بِهِ إِلَى مَلِكِنَا وبِلَادِنَا، فَإِنَّ هَذَا الْغُلَامَ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ، نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ، فَانْفَلَتَتْ بِهِ مِنْهُمْ بِشِدَّةٍ (8).

سوو

وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ (9): لمَّا ظهر سيف ابن ذي يزن عَلَى الْحَبَشَةِ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَتْهُ وُفُودٌ مِنَ الْعَرَبِ وأَشْرَافِهَا وشُعَرَائِهَا تُهنِتُهُ وتَمْدَحُهُ، وتَذْكُرُ ما كَانَ مِنْ بَلَاءِهِ، وطَلَبِهِ بِتَأْرِ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ، وَفِيهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابنُ هَاشِم، وغَيْرُهُ مِنْ وُجُوهِ قُرَيش وأَهْلِ مَكَّةَ، فَأَتَوْهُ بِصَنْعَاءَ وَهُوَ فِي قَصْرٍ لَهُ يُقَالُ لهُ عمدان (10)، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُم، فَإِذَا هُوَ مُتَضَمّخ بِالْعَبِيرِ (11)، يَبِصُّ (12) وَبِيصُ الْمِسْكِ مِنْ مَفْرَقِهِ وسَيْفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَن يَمِينِهِ ويسَارِهِ الْمُلُوكُ والمقاوِلُ، فَدَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَ الكلام، فقَالَ لَهُ سيف بن ذي يزن: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ المُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ.

في

(1) الاكتفاء، الكلاعي، 138/ 1. (2) (م، س)، 139/ 1.

(3) في الأصل: استنوا، والتصويب من الروض الأنف.

(4) البكر: الفتي من الإبل، والأنثى بكرة، والجمع بكرات وبكار وبكارة، وقد يُجمع البكرة من الإبل: بكرات. جمهرة اللغة، ابن دريد (برك).

(5) الروض الأنف، السهيلي، 115/ 2.

(6) (م، س)، 115/ 2. (7) في سيرة ابن هشام وقلبوه. (8) سيرة ابن هشام، 167/ 1.

(9) سأوتقُ هذا الخبر وأقابله على روايتي دلائل النبوة للبيهقي، وأخبار مكة للأزرقي، فقد ذكر الخبر غيرهما، لكن رواية هذين المصدرين هي الأقربُ

إلى رواية المؤلّف، وسأثبتُ ما أراه ضرورياً من الاختلافات.

(10) في أخبار مكة ودلائل النبوة: غمدان.

(11) العبير أخلاط من الطيب تُجْمَع بالزعفران وقيل هو الزعفران وحده وقيل هو الزعفران عند أهل الجاهلية. لسان العرب (عبر). (12) يبص بَاً وبَصيصاً بَرَقَ وتلالاً. لسان العرب (بصص).

328