إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٣١

فقَالَ لَهُ ابن ذي يزن: هَذَا حِينُهُ الذِي يُولَدُ فِيهِ، أَوْ قَدْ وُلِدَ، اسْمُهُ مُحَمَّد، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ،

يَمُوتُ أَبُوهُ وأُمُّهُ، ويَكْفَلُهُ جَدُّهُ وعمُّهُ، وقَدْ

وجَدْنَاهُ (1) مِرَارًا، واللهُ بَاعِثُهُ جِهَارًا، وجاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَارًا، يُعِزُّ بِهِم أَوْلِياءَهُ، وَيُذِلُّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، ويَضْرِبُ بِهِم النَّاسَ عَنْ عرض، ويَسْتَبِيحُ بِهِم كَرَائِمَ الْأَرْضِ، يَعْبُدُ الرَّحْمَنَ ويَدْحضُ الشَّيْطَانَ، ويَكْسِرُ الأَوْثَانَ ويُحْمِدُ النِّيرَانَ قَوْلُهُ فَصْلٌ وحُكْمُهُ عَدْلٌ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ ويَفْعَلُهُ، ويَنْهَى عَن الْمُنكَرِ ويُبْطِلُهُ. قالَ: فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ساجِدًا فَقَالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، ثلج صَدْرُكَ، وعَلَا كَعْبُكَ، فَهَلْ أَحْسَسْتَ مِنْ عِلْمِهِ شَيْئًا؟

قالَ: نَعَمْ أَيُّها الْمَلِكُ، كانَ لِي ابْنُ وَكُنْتُ بِهِ مُعْجَبًا وعَلَيْهِ رَفِيقًا، فَزَوَّجْتُه كَرِيمَةً مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِهِ، آمِنَةَ بِنْت وَهْبِ بنِ عَبْدِ مَنَاف بنِ زُهْرَةَ، فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، مَاتَ أَبُوهُ وأُمُّهُ وَكَفَلْتُهُ أَنَا وعَمُّهُ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، وفِيهِ كُلُّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَلَامَةٍ.

النَّفَاسَةُ،

قال: والْبَيْتِ ذِي الْحُجُب، والْعَلَامَاتِ ذِي النّصب، إِنَّكَ يا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرِ الكَذِب، وإِنَّهُ الذِي قُلْتُ لَكَ فِيهِ مَا قُلْتُ، فَاحْفَظْ بِابْنِكَ واحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءُ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، وَاطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الذِينَ مَعَكَ، فَإِنِّي لَسْتُ آمَنْ أَنْ تَدْخُلَهُم من أَنْ تَكُونَ لَهُم الرِّيَاسَةُ فَيَبْغُون لَهُ الْغَوَائِلَ ويَنْصِبُون لهُ الْحَبَائِلَ، وَهُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَسِرْتُ بِخَيْلِي ورَحْلِي [120] حَتَّى أَصِيرَ بِيَثْرِبَ دَارٍ مَمْلَكَتِهِ، فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِق والْعِلْمِ السَّابِقِ، أَنَّ بِيَثْرِبَ اسْتِحْكَامَ أَمْرِهِ وَأَهْلَ نَصْرِهِ وَمَوْضِعَ قَبْرِهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ، وأَحْذَرُ عَلَيْهِ الآفَاتِ لأَوْطَأْتُ أَسْنَانَ الْعَرَبِ كَعْبَهُ، وَلَأَعْلَيْتُ عَلَى حَدَاثَةِ سِيِّهِ ذِكْرَهُ، وَلَكِنِّي صَارِفٌ ذَلِكَ إِلَيْكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرِ مَنْ مَعَكَ.

ثمَّ أَمَرَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِمِمَّةِ بَعِيرٍ وعَشرَةِ أَعْبُدٍ وعَشْرِ إِمَاءٍ، وعَشْرَةِ أَرْطَالِ ذَهَبٍ، وعَشرَةِ أَرْطَالِ فِضَّة، وَكَرشَةٍ مَمْلُوءَةٍ عِنْبَرًا، وأَمَرَ لِعَبْد المطلب بِعَشرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ايتِنِي بِخَبَرِهِ وَمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، وَمَاتَ سيف بن ذي يزن قَبْلَ الْحَوْلِ (2).

وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغْبِطُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ، ولَكِنْ لِيَغْبِطْنِي بِمَا يَبْقَى لِي وَلِعَقِبِي شَرَفُهُ وذِكْرُهُ وفَخْرُهُ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: مَا ذَاكَ؟ يَقُولُ: سَيُعْلَمُ وَلَوْ بَعْدَ

حين (3).

(1) في أخبار مكة ودلائل النبوة: ولدناه.

(2) الخبر في دلائل النبوة، البيهقي، 9/ 2 وما بعدها، وأخبار مكة، الأزرقي، 149/ 1 وما بعدها. (3) الخبر في دلائل النبوة، البيهقي، 14/ 2، وأخبار مكة، الأزرقي، 154/ 1.

330