إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٤٩

الفَصْلُ الثَّانِي فِي قِصَّةِ بَحِيرَى: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثماني سنينَ مات جده عبد المطَّلِبِ وَأَوْصَى بِهِ إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وكانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الذِي يَلِي أَمْرَ رسول الله لا الهلال بعد جدِهِ فكانَ إليه ومعه. وكان عيالُ أبي طالِبٍ إذا أكلوا وحدَهُم لَمْ يَشْبَعُوا، وإذا أكَلَ مَعَهُم النَّبي الله شبعوا. وكان أبو طالب إذا أراد أن يُعشِيهم أو يغذِّيهم يقول: كما أنتُم حتَّى يأتي ابني فيأتي نَبي الله الله فيأكل معهم، فيُفْضِلُونَ مِنْ طَعَامِهِم، وكَذَلِكَ في شربِ اللَّبَنِ).

ثمَّ إِنَّ أبا طالِبِ خرجَ في ركب تاجرًا إلى الشَّامِ فلمَّا تهيَّاً للرَّحِيلِ صب به رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فرقَ لَهُ أبو طالب فخرج به معه. ولمَّا نزلَ الرّكب بصرى مِن أرضِ الشَّامِ وبها راهِبٌ يقال له بحيرى في صومعة له، وكان ينتهي إليهِ علمُ النَّصرانية، وكانوا كثيرًا ما يمرون به قَبْلَ ذلكَ فَلَا يُكَلِّمُهُم ولا يعْرِضُ لَهُمْ، حَتَّى كانَ ذلك العام. فلمَّا نزلوا بهِ قريبًا [129 ظ] مِنْ صَوْمَعِتِهِ صَنعَ لَهُم طَعَامًا كَثِيرًا، أو ذلكَ فيما ذَكَرُوا لشيءٍ رآه في صوْمَعَتِهِ. ويذكرُون أنَّه رأى رسول الله الله وهو في صومَعَتِهِ في الركب حين أَقْبَلُوا وغمَامَةٌ تُظِلُّهُ، ثمَّ إِنَّهُ نَزَلَ في ظِلِ شَجَرَةٍ قريبًا منهُ، فَنَظَرَ إِلى الغَمَامَةِ حِينَ أَظَلَّت الشَّجرة وتَهَصَّرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ على النَّبِي حَتَّى اسْتَظلَّتْ عَلَيْهِ). وفي روايَةٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَيْهِ غَمَامَةً تُظلُّه، فلمَّا دنَا مِنَ القَوْمِ وجَدَهُم قَدْ سَبَقوه إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فلَمَّا جَاءَ هُوَ ا مالَ عَلَيْهِ فَيْءُ الشَّجرة (3).

فلَمَّا رأَى ذلِكَ بِحِيرَى نَزَلَ مِنْ صومعته وقد أمر بذلِكَ الطَّعامِ فيُصْنَع، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِم وقال: إِنِّي قدْ صَنَعْتُ لكُم طعامًا يا مَعْشَرَ قريش، وإنّي أريد أن تحضرُوا كلُّكُم كبيركُم وصغيركُم حركُم وعبيدكُم، فاجتمعوا إليه فلمَّا نظَرَ بحِيرَى في القَوْمِ لَمْ يَرَ الصِّفَةَ التي يعْرِف فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيشِ لا يتخَلَّفَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ عن طعَامِي، قالوا: ما تَخَلَّفَ أحدٌ إِلَّا غلامٌ أَحْدَثُ القَوْمِ سِنَّا، تخلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ، قال: لا تَفْعَلُوا، فأتَوْا بِهِ فأجلسوه معهُم، فَلَمَّا رآهُ بحِيرَى جَعَلَ يَنْظُرُ إلى أشيَاءَ مِن جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُها عندَهُ مِن صفتِهِ حَتَّى إذا فَرَغَ القَوْمُ مِن طَعَامِهِم قالَ بَحِيرَى يا غلامُ باللهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا أَسْأَلَكَ عَنْهُ فقال: سل عَمَّا بَدَا لكَ، فَجَعَلَ يسْأَلُهُ عن أَشْيَاءَ مِن حالِهِ فِي نَومِهِ وهَيْئَاتِه وأمُورِهِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ

(1) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، 354/ 1، (2) سيرة ابن هشام، 181/ 1.

(3) الروض الأنف، السهيلي، 144/ 2.

عن

الواقدي، بتصرف.

348