إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٣

فَوْقَ الشَّجَرَةِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [131 و] فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي. فَقَالُوا: مَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ إِلَّا غُلامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنَّا فِي الرِّحَالِ فَقَالَ: ادْعُوهُ فَلْيَحْضُرُ طَعَامِي، فَمَا أَقْبَحَ أَنْ تَحْضُرُوا وَيَتَخَلَّفَ رَجُلٌ وَاحِدٌ منكُم، مَعَ أَنِّي أَرَاهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. فَقَالَ الْقَوْمُ: هُوَ وَاللَّهِ مِن أَوْسَطِنَا نَسَبًا، وَهُوَ ابْنُ أَخِي هَذَا الرَّجُلِ، يَعْنُونَ أَبَا طَالِبٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ مِنْ بَيْنِنا، ثُمَّ احْتَضَنَهُ الْحَارِثُ وأَقبَلَ بهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْغَمَامَةُ تَسِيرُ عَلَى رَأْسِهِ، وَجَعَلَ بَحِيرَى يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا، وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ فِي جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ فِي صِفَتِهِ. فَلَمَّا تَفَرَّقُوا عَنِ الطَّعَامِ قَامَ إِلَيْهِ الرَّاهِبُ، فَقَالَ: يَا غُلامُ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى أَلَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا قَالَ: بِاللَّهِ أَلَا حَبَّرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ قَالَ: "سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاء مِنْ حَالِهِ حَتَّى نَوْمِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ لا يُخْبِرُهُ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَهُ. ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى الصَّفَةِ التِي عِنْدَهُ، فَقَبَّلَ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ. قَالَتْ قُرَيْسٌ: إِنَّ لِمُحَمَّدٍ عِنْدَ هَذَا الرَّاهِبِ لَقَدْرًا، وَجَعَلَ أَبُو طَالِبٍ يَخَافُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ لِمَا يَرَى مِنَ الرَّاهِبِ. قَالَ الرَّاهِبُ لأَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا الْغُلامُ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي، قَالَ: مَا هُوَ بِابْنِكَ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا. قَالَ: ابْنُ أَخِي قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: ماتَ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ. قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ أُمُّهُ؟ قَالَ: تُوُفِّيَتْ قَرِيبًا. قَالَ: صَدَقْتَ ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بَلَدِهِ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفتُ ليَقْصُدنَّ قَتْلَهُ، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لابْن أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا وَمَا رُوِّينَا عَنْ آبَائِنَا، وَأَعْلَم أَنِّي قَدْ أَدَّيْتُ إِلَيْكَ النَّصِيحَةَ. وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ تِجَارَتِهِمْ خَرَجُوا بِهِ سَرِيعًا، وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ اليَهُودِ قَدْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَعَرَفُوا صِفَتَهُ، وَأَرَادُوا أَنْ يَغْتَالُوهُ فَذَهَبُوا إِلَى بَحِيرَى فَذَاكَرُوهُ أَمْرَهُ فَنَهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَقَالَ لَهُمْ: أَتَجِدُونَ صِفَتَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا لَكُمْ إِلَيْهِ سَبِيلٌ فَصَدَّقُوهُ وَتَرَكُوهُ. وَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ إِلى مَكَّةَ سَالِمًا فَمَا خَرَجَ بِهِ سَفَرًا بَعْدَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَيْهِ (1).

وفي "المشكاة" عن أَبي موسى ما تقدَّمَ إِلَّا أَنَّ فِيهِ: خرج به الا الله أبو طَالِبٍ فِي أَشْيَاحَ مِنْ قُريش. وأَنَّهُ قال: أَنْشَدُكُمْ باللهِ أَيُّكُمْ وَلِيُّه؟ قالوا: أبو طَالِب، فَلَمْ يَزَلْ يُناشِدُهُ حتَّى رَدَّهُ أبو طالب، وبَعَثَ مَعَهُ أَبو بَكْرٍ بِلَالًا [131] وزوَّدهُ الرَّاهِبُ كعكًا وزيتا) رواه الترمذي (3).

قلْتُ: كَيْفَ يكونُ أَبُو بَكْرٍ في ذلِكَ الوَقْتِ كَبِيرًا مالِكًا لبلال مُسَافِرًا في تَجْرٍ؟، وَلَعَلَّ بلالًا لله

يومئذٍ في بلادِهِ.

(1) تاريخ الخميس، الديار بكري، 257/ 1 258 وهداية الحيارى ابن القيم، ص 231 - 232.

(2) مشكاة المصابيح، التبريزي، 1663/ 3.

(3) تاريخ الخميس، الديار بكري، 258/ 1، سبق تخريج الحديث في سنن الترمذي رقم (3620).

352