الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٦يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِه. عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ وَعَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ إِظْلالِ المَلَكَيْنِ إِيَّاهُ). قال السُّهيلي: ذكروا أنَّ اسمه نسطور (?). قالَتْ نفيسة بنت منبه: لما بلغ رسول الله الله خمسًا وعِشرِينَ سَنَةً، وَلَيسَ لَهُ بِمَكَّةَ اسْمٌ إِلَّا الأمين؛ لما تكامَلَتْ فيهِ مِنْ خصال الخيْرِ، قال له أبو طَالِبٍ يا ابن أخِي أَنَا رَجُلٌ لا مَالَ لِي، وقَد اشْتَدَّ الزَّمانُ عليْنَا، وألَحَتْ عليْنَا سنُونُ مُنْكِرَة، ولَيْسَتْ لنَا مادَّةٌ ولَا تِجَارَةٌ، وهذَا عِيرُ قَوْمِكَ قَدْ حَضَرَ خروجها إلى الشّام، وخديجة بنت خويلد تَبْعَثُ رِجَالًا مِنْ قَوْمِكَ فِي عِيرِها، فيتّجرونَ لها في مالِهَا، ويُصِيبُونَ منافِعَ، فَلَوْ جِئْتَها وعَرَضْتَ نفسَكَ عليها لأَسْرَعَتْ إِلَيْكَ، وفَضَّلتْكَ عَلَى غَيْرِكَ، لِمَا يَبْلُغَهَا عنْكَ منْ طَهَارَتِكَ، وإنْ كُنتُ أكرَهُ أنْ تَأْتِي الشَّامَ وأَخَافُ عَلَيْكَ مِنَ اليهود، ولكِنْ لا نَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بدا. وكانتْ خدِيجَةُ ذات شرفٍ ومال كثيرٍ وتِجارَةٍ، تَبعَثُ بهَا إِلَى الشَّامِ فتكُونُ عِيرُهَا كعامَّة عِيرِ قرَيْشٍ، وكانَتْ تَسْتَأْجِرُ الرّجالَ وتدْفَعُ إِلَيْهم المالَ مضَارَبَةً، وكانَتْ قُرِيسٌ قَوْمًا تُجَارًا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قريش تاجرًا فلَيْسَ عِنْدَهُم بِشَيءٍ، فقالَ [132] رسول الله: فلعلها ترْسِلُ إِلَيَّ في ذَلِكَ، فقالَ أبو طالب: أخافُ أن تُوَلّي غَيْرَكَ فتطلُبَ أَمْرًا مُدْبِرًا كالخرقاء (3).
فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ بِأَضْعَاف أَوْ قَرِيبًا، وَحَدَّثَهَا مَيْسَرَةُ
مع
فَبلغ خديجة ما كانَ مِن محَاوَرَةِ عَمِّه لَه، وقَبْلَ ذلِكَ ما كانَ بلَغَهَا مِن صِدْقِ حَدِيثهِ وعِظَم أمانَتِه وكَرَمِ أخلاقِهِ، فقالَتْ: ما عَلِمْت أَنَّهُ يريدُ هذَا ثُمَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فقالَتْ: إِنَّه دَعَانِي إلى البعثةِ إِلَيْكَ ما بَلَغَنِي مِنْ صِدْقٍ حدِيثكَ وعِظَمِ أمَانتِكَ وَكَرَم أخلاقِكَ، وأنا أعطيكَ ضِعْفَ ما أُعْطِي رَجُلًا مِنْ قوْمِكَ، فَفَعَلَ رسولُ اللهِ الله ووَلَقِيَ أبا طَالِبٍ فَذَكَرَ ذلِكَ لهُ فقال: إِنَّ هذا لَرِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْكَ. فَخَرَجَ عْلَامِهَا مَيْسَرَة، وجعَلَ عُمُومَتَهُ لا الهلال يوصونَ بهِ أَهْلَ العِيرِ، حَتَّى قَدِمَ بصرَى مِنَ الشَّام، فَنَزَلَ في ظل شجرة قرِيبَةٍ مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ يُقَالُ لَه نسطور. فاطَّلَعَ الرَّاهِبُ إلى مَيْسَرَة – وكان يَعْرِفُه – فقال: يا مَيْسَرَة مَنْ هذا الذي نَزَلَ تَحْتَ هذهِ الشَّجَرة؟ قالَ ميسرة: هُوَ رَجُلٌ مِن قُرَيش مِن أَهْلِ الحرَمِ، فقال لهُ الرَّاهِبُ: ما نَزَلَ تحتَ هَذِهِ الشَّجرةِ قَطُّ أَحَدٌ بعدَ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ إِلَّا نَبِيءُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ؟ قال ميسرة: نعَمْ لا تُفارِقُهُ. قَال الرَّاهِبُ: هو هو، وهو آخِرُ الأَنبِقَاءِ عَلَيْهِم السَّلامُ، فَيا ليتَنِي أدْرَكْتُه حينَ يؤمَرُ بالخروج، فوَعَى ذلك ميسرة. ثمَّ حضرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سوق بصرى فباع بضاعته التي خَرَجَ بها واشْتَرَى فَكانَ بَيْنَه وبَيْنَ رَجُلٍ اختِلافُ في سِلْعَةٍ، فقال الرَّجُل: احْلف باللات والعُزَّى فَقال رسولُ اللهِ: ما حلَفْتُ بهِمَا قَطُّ، وإنِّي لأمُرُ فَأُعْرِضْ عَنْهُمَا، فَقال الرَّجُلُ: فَالقَوْلُ قَوْلُكَ. ثمَّ خَلَا
(1) سيرة ابن هشام، 188/ 1 - 189. (2) الروض الأنف، السهيلي، 152/ 2.
(3) دلائل النبوة، الأصبهاني، 172/ 1، وفيه: فافترقا، بدل كالخرقاء.
355