الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٧الرَّجُلُ بميسرة وقالَ لَه يا ميسرة هذا نَبِيء، والذي نفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لهُوَ تجدُهُ أَحبَارُنَا مَنْعُوتًا في كتبهم، فوَعَى ذلك ميسرة ثُمَّ انْصَرَفَ أهْلُ العِير جَميعًا، وَكانَ ميسرة يَرَى النَّبِيء لا إِذَا كَانَت الهَاجِرَة وَاشْتَدَّ الحر يُظِلُّهُ ملَكانِ وهو علَى بَعِيرِهِ). حتَّى دَخَلَ مكَّةَ في ساعَةِ الظَّهِيرة، وخديجة معها نِساء في عِليَّة لها، معَهُنَّ نفيسة بنت منبّه، فرأت رسُولَ اللهِ الله حين دخَلَ وهُوَ راكِبْ عَلَى بَعِيرِهِ ومَلَكانِ يُظِلَّانِهِ فَأَرَتْهُ نِسَاءَهَا فَعَجِبْنَ لِذَلِكَ، فلمَّا أَن دَخَلَ ميْسَرَةُ عَلَيْهَا أَخْبَرَتْهُ بما رأَتْ فقالَ لَهَا ميسرةُ: قَدْ رَأَيْتُ هَذَا مُنْذُ خَرَجْنَا مِنَ الشّام، وأخبَرَهَا بقَوْلِ الرَّاهب نسطور، وبِقَوْلِ الآخَرِ الذي خالَفَ في البَيْع، وقَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بتجارته، فربحَتْ ضعْفَ ما كانَتْ تَرْبَحُ، وضَعَفَتْ لَهُ [133] ضعف ما كانت قَدْ سَمَّتْ لَهُ). فلما استقَرَّ عندَهَا هَذَا، وَكَانت امْرَأَةً حَازِمةً شرِيفَةً لَبِيبَةً، معَ ما أَرَادَ اللهُ بِهَا مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ، وهِي يَوْمَئِذٍ أَوْسَطُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وأَعْظَمُهُنَّ شَرَفًا وأَكْثَرُهُنَّ، مالا، وكلُّ قومها كان حريصًا على تزوجها، لو قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ لبَذَلُوا الأموال وطلَبُوهَا. قالت نفيسة فأرسَلَتْنِي إليه دسِيسًا فقلت: يا مُحَمَّد مَا يَمْنَعُكَ أَن تَتَزَوَّجَ؟ قال: ما بِيدِي ما أَتَزَوَّجُ بِهِ، فقالت: أبَعْدَ أنْ دُعيتَ إِلَى الحَلال والشَّرفِ والمالِ لَا تُجيبُ؟ قال: بَلَى فَمَن هِي؟ قالتْ: خَدِيجَةُ، قالَ: وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: عَلَيَّ ذلِكَ. قالَ: فَافْعَلِي. فَذَهَبَتْ نفيسةُ فَأَخْبَرَتْ خَدِيجَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِليهِ أن ايتِ سَاعَةَ كَذَا وَكَذَا، وَأَرْسَلَتْ إِلَى عَمِّهَا عمرو بن أسد فحَضَرَ، فَدَخَل رسولُ اللهِ الله في عمُومَتِهِ فَزَوَّجَهُ أَحَدُهُم، قال عمرو: هذا الفَحْلُ الذِي لا يُقْرَعُ
قال ابن إسحاق: بعثَتْ خديجة رضي الله عنها: إنّي قد رغبتُ فِيكَ لِقرابتِكَ وسَطَتِكَ في قَوْمِكَ، وأمَانَتِكَ وحُسْنِ خُلُقِكَ، وصِدْقِ حدِيثِكَ، ثُمَّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نفسَهَا، فذكَرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذلِكَ لأَعْمامِهِ، فخَرَجَ معه حمزة بن عبد المطلب حتَّى دَخَلَ عَلَى حُويْلد بن أسد فخَطَبَهَا إِلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا. قال ابن هشام: أصْدَقَهَا عِشْرِينَ بكَرَة، قال ابنُ إسحاق: وَلَدَتْ
لرَسُولِ اللهِ الله ولَدَهُ كُلَّهُم إِلَّا إِبْرَاهِيمَ، وَلَدَتْ له القاسم وَبِهِ كَانَ يُكَنِّي الله والطيب وَالطَّاهِر وزينب ورقيّة وأمّ كلثوم وَفَاطِمَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صلى الله عليه وسلم وَالطَّيِّبِ أَكْبَرُ بَنِيهِ الْقَاسِمُ ثُمَّ الطَّيّب ثُمَّ الطَّاهِرُ، وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ رُقَيَّةُ ثُمَّ زَيْنَبُ ثُمَّ أُمّ كَلْتُومٍ ثُمَّ فَاطِمَةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: مَاتَ الْقَاسِمُ وَالطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وأَمَّا بناتُهُ فكلُّهُنَّ أَدْرَكْنَ الإِسْلَامَ وأَسْلَمْنَ وهَا جَرْنَ مَعَهُ.
نا الله 4
(1) دلائل النبوة، الأصبهاني، 173/ 1 - 174. (2) الطبقات الكبير، ابن سعد، 131/ 1. (3) (م، س)، 109/ 1.
(4) سيرة ابن هشام، 189/ 1.
356