الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٩(1) على
فقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمُ {على الغَالِبِ، وحِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَفْقَهُوا كما قالَ الزُّرْقَانِي (2) في قَوْلِهِ تعالى: مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ (3) أنَّهُ عَلَى الْغَالِبِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَبَضَ
على شَيْطَانٍ وأَرَادَ أَنْ يُرِيَهُ أَصْحَابَهُ فَتَذَكَّرَ كلامَ سَلَيْمَانَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي (4) (5) فَتَرَكَ. والرمان والعِنَبُ اللذان أتَى بهِمَا جِبْرِيلُ الله في طَبَقٍ وسبحا فيهِ هُمَا مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِنَ الدُّنيا؛ لأنَّهُما لَوْ كَانَا مِن الجَنَّةِ لَمْ يُوطَقْ أَكْلُهُما في الدُّنيا لقُوَّتِهما ولَمْ يَفْنَيَا، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: أَكْلُهَا دَابِرُ) (0) قلْتُ: ذلِكَ كُلُّهُ ما دَامَ في الجَنَّةِ، وأمَّا ما خَرَجَ منها فيتَغَيَّرُ كَمَاءِ النِّيلِ والحَجرِ
الأسود.
ومَعْنَى قَوْلِهِ: "أَكَلَ مِنَ الطَّبَقِ فَسَبَّحَ أَرَادَ الأَكْلَ فالتَّسْبِيحَ قَبْلَ الأَكْلِ، أَو أَرَادَ بِالأَكْلِ الْإِلْقَاءَ في الفم والمضْغَ فَهُوَ يُسَبِّحُ في فيه. و و و و وإنَّما كانَ تشبِيحُ الطَّعامِ
أعْظَمَ مِنْ تَسْبِيحَ الجِبَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَد مثلُهُ والجِبَالُ قَدْ وُصِفَتْ بالحُشُوع، ولأنَّهُ سَبَّحَ في يَدِهِ وفِي يَدِ مَن أَرادَ مِنْ أُمَّتِهِ. وكذا
الحَصَى أَعْظَمُ؛ لأَنَّهُ سَبَّحَ في يدِهِ ويدِهِمْ بِخِلَافِ الجِبَالِ فَإِنَّها لَمْ تُسَبِّحْ بيدِ داوُدَ الله. وكُل مِن تَسْبِيحَ الطَّعامِ والحصَى أَعْظَمُ مِن كلام النَّمل والطَّيْرِ وفَهْمِه لسُليمانَ؛ لأنَّ مِن شَأْنِ الطَّيْرِ الكلام؛ ولأنَّهُ والنَّمل حيوانٌ، وكَذَا تَسْلِيمُ الحَجَرِ، والذي أقولُ بهِ: إِنَّ تسليم الحَجَرِ حَقِيقةٌ وجَزَمَ به النَّوَوِي. وقالَ بَعْضُ (7)
يحْتَمل ذَلِكَ ويَحْتَملُ أَنَّهُ مِنْ مَلائِكَةٍ يَسْكُنونَ فِي الحجرِ أو عِنْدَهُ، وإِذَا فَتَحْنَا هذَا الاحْتِمَالَ أَمْكَنَ فِي تَسْبِيحَ الحَصَى والطَّعَامِ إِلَّا أَنَّ الأَصْلَ الحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ. وذلِكَ خَرْقٌ للْعَادَةِ ولَوْ قُلْنا ذلِكَ مِنَ الملائكَةِ إِلَّا أَنَّ الخَرْقَ أَعْظَمُ إذا كانَ ذلِكَ مِن الحَصَى والحَجَرِ والطَّعَامِ، وكُلّ ما تَكَلَّمَ مِنَ الجَمَادَاتِ فَقَدْ خَلَقَ اللهُ فِيهِ الحَيَاةَ والتَّمْيِينَ والعَقْلَ خَرْقًا لِلْعَادَةِ ثُمَّ يَرُدُّهُ لِحَالِهِ. ذلك تأمِينُ الحَوَائِطِ وأُسْكُفَّةِ البابِ، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْعَبَّاسِ: ((لَا تَرمْ
[142 ظ] ومن
(1) سورة الإسراء: 44.
(2) الزرقاني: (نسبة إلى زرقاء من قرى منوف بمصر) محمد بن عبد الباقي بن يوسف المالكي، محدث، فقيه أصولي، ولد وتوفي بالقاهرة سنة 1122 هـ. من تصانيفه: شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث، مختصر المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على ا الألسنة، شرح المواهب اللدنية. معجم المؤلفين رضا كحالة، 383/ 3.
(3) سورة الأعراف: 27.
(4) سورة ص: 35.
(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، 99/ 7.
(6) سورة الرعد: 35.
(7) هو ابن سيد الناس كما في شرح المواهب، 501/ 6.
378