الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٦ومِنْ طَرِيقِ ضَعِيفٍ عن عَلِيّ: ((أُنْزِلَ القرآنُ خَمْسًا إِلَّا سُورَةَ الْأَنْعَامِ)) (1) فَمَعْنَاهُ إِلْقَاؤُهُ إِلَى
النبي و هذَا القَدْر حَتَّى يَحْفَظَهُ ثُمَّ يُلْقِي البَاقِي، لَا إِنْزَالُهُ بِهَذَا القَدْرِ خَاصَّةً، ويُوَفِّحُ ذلِكَ مَا عِندَ البَيْهَقِيّ عن أبي العَالِيَة: ((كَانَ لا يَأخُذُ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ خَمْسًا خَمْسًا)) (2) (3). قال الجُمهورُ: نَزَلَ في ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، عَلَى أَنَّهُ بُعِثَ لِأَرْبَعِينَ وعاش ثلاثًا وستِّينَ، ولا يُنافِيهِ أنَّ الفَتْرَةَ التِي لَمْ يَنْزِلْ فيها قرآن بعْدَ نُزُولِ " اقرأ " ثَلَاثُ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ نَزَلَ قَبْلَها مُتَّصِلا بها "اقرأ" فَصَدقَ أَنَّهُ نَزَلَ في ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ كان يَنْزِلُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَا كُلَّ شَهْرٍ. وقِيلَ: نَزَلَ فِي عِشْرِينَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عاشَ سِتِّين أوْ عَلَى الْغَاءِ الفَتْرَة (4).
وإِنْزَالُ القُرآنِ إِظْهَارُ القِرَاءَةِ عِندَ بَعْضٍ (5) وقِيلَ: أَلْهَمَ اللهُ تعَالَى القرآنَ جِبْرِيلَ وهُوَ فِي السَّمَاءِ وعَلَّمَهُ قِرَاءَتَهُ، ثمَّ جِبْرِيلُ [145 و] أدَّاهُ في الأَرْضِ. وقالَ الرّازي (6): إِنْزالُ الكتُبِ عَلَى الرُّسُلِ أن يَتَلَقَّفَها المَلَكُ تَلقُفًا رُوحَانِيَّا أو يَحْفَظَهَا مِنَ اللَّوْح المحْفُوظ، ويَنْزِلُ بِهَا فَيُلْقِيها عَلَيْهِمْ (7). وقِيلَ: فِي المُنَزَّلِ علَى النَّبِي الله ثلاثة أقوال أحَدُها: اللفظ والمعنى، وأنَّ جِبريل حفِظَ القُرآنَ مِنَ اللُّوح المحفوظ كلُّ حَرْفٍ مِنْهَا بِقَدْرِ جَبَلِ قَاف، وتَحْتَ كُلّ حَرْفٍ منها مَعَانٍ لا يُحيطُ بِهَا إِلَّا اللهُ. الثَّانِي: أَنَّ جبريلَ نَزَلَ بالمعانِي خَاصَّةً، وعَلِمَ النَّبي الله تِلْكَ المَعانِي وعَبَّرَ عَنْهَا بِلُغَةِ العَرَبِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الَامِينُ (1) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (3).
(193
194
والثَّالثُ أَنَّ جبريلَ أَلْقَى عَلَيْهِ المَعْنَى وعَبَّرَ بِهِذِهِ الأَلْفَاظِ بلُغَةِ العَرَبِ، وَأَنَّ أَهلَ السَّمَاءِ يَقْرَؤُونَهُ بالعَرَبِيَّةِ ثُمَّ نَزَلَ بِهِ كَذَلِكَ بَعْدُ، ويُؤَيِّدُ الأَوَّلَ ما رواه الطبراني عن النَّواسِ بنِ سَمْعَانٍ عَنهُ: ((إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بالوَحْيِ؛ أيْ: خَلَقَ كلَامًا حَيْثُ شَاءَ (9) أَخَذَت السَّماءَ رِجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، فَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ السَّماءِ صعقوا وخَرُّوا سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جَبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، وَهَذَا
(1) تاريخ بغداد، 211/ 8. ولسان الميزان، 279/ 2. والزيادات على الموضوعات، السيوطي، 129/ 1. (2) شعب الإيمان، البيهقي، حديث (1806).
(3) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية،388/ 1، نقلا من الإتقان، السيوطي، ص 100.
(4) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 388/ 1 - 389.
(5) هم أهل السنة والجماعة، كما قال الأصفهاني.
(6) القطب الرّازي التحتاني، محمد بن محمد، الشَّافِعِي، حكيم منطقي عارف بالتفسير والمعاني والبيان والنحو والعلوم الشرعيَّة، توفي بدمشق سنة 766 هـ، تصانيفه: شرح الشمسية في المنطق، حاشية على الكشاف للزمخشَرِي طَبقات الشافعية السبكي 374/ 9 المؤلفين، رضا كحالة، 642/ 3. ومعجم (7) الإتقان، السيوطي، ص 100، عن القطب الرازي في حواشِيهِ على الكَشَّافِ.
(8) سورة الشعراء: 193 - 194.
(9) العبارة للمؤلّف.
385
من